اذهب الي المحتوي
أحلى نادي لأحلى أعضاء
البحث في
  • المزيد من الخيارات...
عرض النتائج التي تحتوي على:
إيجاد النتائج في:

Mr ToDAY

الأعضاء
  • مجموع الأنشطة

    1792
  • تاريخ الانضمام

  • آخر نشاط

كل منشورات العضو Mr ToDAY

  1. [center] [center]إنَّ الحمد لله نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونعــوذُ باللهِ من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ... أما بـــــــــعد السلامُ عليكم و رحمةُ اللهِ و برَكاته أخوتي و أخَواتي في الله أتمنى مِنْ الله عز و جل أن تكونوا جميعاً بأفضل حال [rtl] منهج أهل السنة في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لربنا - تبارك وتعالى - أرفع القدر وأعظـم الشأن؛ فله العظمة الكاملة التي تتجلى في ذاته وصفاته وأفعاله، في خلقه وأمره، في الآفـــاق والأنفس، أنَّى نظرت في خلقه رأيت ما يبهر العقول ويزيد الإيمان، ومهما تلوت من آي كتابه العظيم وقفت على دلائل عظمته، وأدلة قَدْره سبحانه. خـضعت لعظمة ربي - عز وجل - المخلوقات، وذلت لجبروته الأرض والسماوات، واشتد نكـيـره - تعالى - على من أخل بتعظيمه، فقال - سبحانه - :(( ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأَرْضُ جَمِيعاً قَـبْـضَـتـُــــهُ يَـــوْمَ القِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [الزمر:67]. فـحــــقٌ على من عرف قدر الله وأراد تعظيمه أن يعظم ما عظمه - تعالى - قياماً بحقه من التوحيد والعبادة، وقياماً بحق كتابه وحق رسوله -صلى الله عليه وسلم- . وغير خـــــاف على مسلم صادق في إسلامه تلك المنزلة الرفيعة التي حباها ربنا - تعالى - لصفوة خلقــه، وخاتم أنبيائه ورسله حبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فإلى شيء من جوانب تـلـك العظمة، وهدي السابقين والتابعين لهم بإحسان في تعظيمه -صلى الله عليه وسلم- ... ذلك الحديث الذي تنشرح له صدور المؤمنين الصادقين، وتتطلع إليه نفوسهم، ويتمنون أن لو اكتحلت أعينهم برؤية حبيبهم -صلى الله عليه وسلم-،؛وتشنفت آذانهم بسماع صوته. المراد بالتعظيم: قال الله - تعالى - : ((إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأَصِيلاً)) [الفتح :8،9]. فذكر - تعالـى - : حقـــاً مشتركاً بينه وبين رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو الإيمان، وحقاً خاصاً به - تعالى - وهـــو التسبيح، وحقاً خاصاً بنبيه -صلى الله عليه وسلم- وهو التعزير والتوقير. وحاصل ما قيل في معناهما أن :(التعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه. والتوقير : اسم جامع لكل ما فـيـــه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار)(1). وهذه المعاني هي المراد بلفظ التعظيم عند إطلاقه، فإن معناه في اللغة : التبجيل، يقال : لفلان عظمة عند الناس : أي حرمـــة يعظم لها(2)، ولفظ التعظيم وإن لم يرد في النصوص الشرعية، إلا أنه استعمل لتقريب الـمـعـنــــى إلى ذهن السامع بلفظ يؤدي المعنى المراد من (التعزير والتوقير) (3). والـتـعـظـيــم أعلى منزلة من المحبة، لأن المحبوب لا يلزم أن يكون معظماً، كالولد يحبه والده محـبــة تدعوه إلى تكريمه دون تعظيمه، بخلاف محبة الولد لأبيه، فإنها تدعوه إلى تعظيمه. والرجل يعظم لما يتمتع به من الصفات العلية، ولما يحصل من الخير بسببه، أما المحبة فلا تحصل إلا بوصول خير من المحبوب إلى من يحبه (4). مع المصطفى -صلى الله عليه وسلم- سيرة وخُلقاً : لقد حبا الله - تبارك وتعالى - نبينا محمداً -صلى الله عليه وسلم- من الخصائص القوية والصفات العلية والأخلاق الرضية ما كان داعياً لكل مسلم أن يجله ويعظمه بقلبه ولسانه وجوارحه. وقد كان لأهـــــل الـسـنة والجماعة قدم صدق في العناية بجمع خصائصه، وإبراز فضائله والإشادة بمحاسنه، فلـم يـخـــل كتاب من كتب السنة كالصحاح والسنن وغيرها من كتب مخصصة لم يخل من ذكر مآثره، كما أُفردت كتب مستقلة للحديث عنه وعن سيرته(5). وقد اخـتـــار الله - عز وجل - لنبيه -صلى الله عليه وسلم- اسم (محمد) المشتمل على الحمد والـثـنـاء؛ فهو -صلى الله عليه وسلم- محمود عند الله - تعالى -، ومحمود عند ملائكته، ومحـمـــود عند إخوانه المرسلين - عليهم الصلاة والسلام - ومحمود عند أهل الأرض كلهم، وإن كـفــــــــر به بعضهم؛ لأن صفاته محمودة عند كل ذي عقل وإن كابر وجحد؛ فصدق عليه وصفه نفسه حين قال:(أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، بيدي لواء الحمد، تحته آدم فمن دونه)(6). وقد أغاث الله - تعالى - به الـبـشــــريــة المتخبطة في ظلمات الشرك والجهل والخرافة، فكشف به الظلمة، وأذهب الغمة، وأصلــح الأمة، وصار (هو الإمام المطلق في الهدى لأول بني آدم وآخرهم)(7)، فهدى الله به من الـضـلالـة، وعلم به من الجهالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به أعينا عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وكثَّر به بعد القلة، وأعزَّ به بعد الذلة، وأغنى به بعد العيلة(8). عرّف الناسَ ربَّهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تنالــــه قــواهـم من المعرفة، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف، لا إلى من قبله، ولا إلى من بعده، بل كـفـاهم، وشفاهم، وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب:(( أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) [العنكبوت:51]، وعرفهم الطــريـق الموصلة إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدع -صلى الله عليه وسلم- حسناً إلا أمر به، ولا قبيحاً إلا نهى عنه. وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم يدع باباً من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مشكلاً إلا بينه وشرحه، حتى هدى به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يُحب؟ جزاه الله عن أمته أفضل الجزاء. وقد وصف النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عدد من أزواجه وأصحابه كخديجة وعائشة، وأنس، وابن عباس، وعلي، وابن عمر وغيرهم - رضي الله عنهم -، ولما كان المقصود الإشارة إلى ذلك دون الاستقصاء آثرت نقل كلام ابن القيم الجامع لأوصافه، تحاشياَ للإطالة وكثرة التخاريج. قال ابن القيم : "ومما يحمد عليه -صلى الله عليه وسلم- ما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشيم، فإن من نظر في أخلاقه وشيمه -صلى الله عليه وسلم- علم أنها خير أخلاق الخلق، وأكرم شمائل الخلق، فإنه -صلى الله عليه وسلم- كان أعظم الخلق، وأعظمهم أمانة، وأصدقهم حديثاً، وأجودهم وأسخاهم، وأشدهم احتمالاً، وأعظمهم عفواً ومغفرة، وكان لا يزيد شدة الجهل عليه إلا حلماً، كما روى البخاري في صحيحه [ح/12125] عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال في صفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في التوراة :(محمد عبدي ورسولي سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخَّاب بالأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله، وأفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً.) وأرحم الخلق وأرأفهم بهم، وأعظم الخلق نفعاً لهم في دينهم ودنياهم، وأفصح خلق الله وأحسنهم تعبداً عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد، وأصبرهم في مواطن الصبر، وأصدقهم في مواطن اللقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه، وأشدهم تواضعاً، وأعظمهم إيثاراً على نفسه، وأشد الخلق ذبَّاً عن أصحابه، وحماية لهم، ودفاعاً عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، وأوصل الخلق لرحمه، فهو أحق بقول القائل : بَرْدٌ على الأدنى ومرحمةٌ وعلى الأعادي مارنٌ جَلْدُ(9) بواعث تعظيم النبي -صلى الله عليه وسلم- : يدعو المسلم إلى ذلك أمور عدة، منها : 1- تعظيم العظيم - سبحانه وتعالى -، لأنه عظم نبيه -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث أقسم بحياته في قوله :(( لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ))[الحجر : 72](10). كما أثنى عليه فقال :(( وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم : 4]، وقال :(( ورَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)) [الشرح : 4]، فلا يُذكر بشر في الدنيا ويثنى عليه كما يُذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- ويثنى عليه. 2- أن من شرط إيمان العبد أن يعظم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا هو الغرض من بعثته -صلى الله عليه وسلم- . قال - تعالى - :(( إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأَصِيلاً)) [الفتح : 8، 9]، قال ابن القيم : (وكل محبة وتعظيم للبشر فإنما تجوز تبعاً لمحبة الله وتعظيمه، كمحبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعظيمه، فإنها من تمام محبة مرسله وتعظيمه، فإن أمته يحبونه لمحبة الله له، ويعظمونه ويجلونه لإجلال الله له؛ فهي محبة لله من موجبات محبة الله، وكذلك محبة أهل العلم والإيمان ومحبة الصحابة - رضي الله عنهم - وإجلالهم تابع لمحبة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-)(11). بل الأمر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(إن قيام المدحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له قيام الدين كله، وسقوط ذلك سقوط الدين كله)(12). 3- ما ميزه الله - تعالى - به - مما سبق ذكره - من شرف النسب، وكرم الحسب، وصفاء النشأة، وأكمل الصفات والأخلاق والأفعال. 4- ما تحمله -صلى الله عليه وسلم- من مشاق نشر الدعوة، وأذى المشركين بالقول والفعل حتى أتم الله به الدين وأكمل به النعمة(13). مع الصحابة في تعظيمهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- وتوقيرهم له في حياته: نال الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - شرف لقاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان لهم النصيب الأوفى من توقيره وتعظيمه مما سبقوا به غيرهم، ولم، ولن يدركهم من بعدهم، ثم شاركوا الأمة في تعظيمه بعد موته -صلى الله عليه وسلم- (14). كان شأنهم في توقيره أوضح وأظهر من أن يستدل عليه، وأجمل من وصف شأنهم في ذلك عروة ابن مسعود الثقفي - رضي الله عنه - حين فاوض النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية، فلما رجع إلى قريش قال:(أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن (15) رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إن تنخمَّ نخامةً إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدُّون النظر إليه تعظيما له) (16).! وقد وُصف الصحابة حال جلوسهم واستماعهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- بوصف عجيب جاء في أحاديث عدة، منها قول أبي سعيد الخدري وسكت الناس كأن على رؤوسهم الطير((17). وقال عمرو بن العاص -رضي الله عنه -:(وما كان أحد أحب إلي من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه)(18). ولما زار أبو سفيان ابنته أم حبيبة - رضي الله عنها - في المدينة، ودخل عليها بيتها، ذهب ليجلس على فراش رسول الله؛ فطوته، فقال : يا بنية! ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عني؟ فقالت:(هو فراش رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه)(19). ومن شدة حرص الصحابة على إكرامه وتجنب إيذائه قول أنس بن مالك :(إن أبواب النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت تقرع بالأظافير)(20). ولما نزل قول الله - تعالى - :(( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ)) [الحجرات : 2]، قال ابن الزبير:(فما كان عمر يُسمِع النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد هذه الآية حتى يستفهمه)، وكان ثابت بن قيس جهوري الصوت يرفع صوته عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فجلس في بيته منكساً رأسه يرى أنه من أهل النار بسبب ذلك، حتى بشره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة(21). وللمحدثين نصيب : للمحدثين - رحمهم الله ورضي عنهم - منهج رصين ورصيد ثري وإسهام قوي في إجلال حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتوقير مجلس الحديث، والتحفز لاستباق العمل به، تعظيماً له وهذه بعض الشواهد : حدث عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - فكان مما قال : وما سمعته قط يقول : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا مرة، فنظرت إليه وقد حل إزاره وانتفخت أوداجه، واغرورقت عيناه، فقال:(أو نحو ذلك أو دون، أو قريباً من ذلك، أو شبه ذلك)(22). وجعفر بن محمد، ومالك بن أنس، والأعمش، بل قد صار ذلك مستحباً عندهم، وكرهوا خلافه. قال ضرار بن مرة:(كانوا يكرهون أن يحدثوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم على غير وضوء). قال إسحاق : فرأيت الأعمش إذا أراد أن يتحدث وهو على غير وضوء تيمم (23). وكان مالك يلبس أحسن ثيابه ويتطيب ويأخذ زينته للتحديث بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (24). وقال ابن أبي الزناد : كان سعيد بن المسيب - وهو مريض - يقول :(أقعدوني؛ فإني أكره أن أحدث حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا مضطجع)(25). ومرّ مالك بن أنس على أبي خازم - وهو يحدث - فجازه، وقال:(إني لم أجد موضعاً أجلس فيه، فكرهت أن آخذ حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا قائم)(26). وكان محمد بن سيرين يتحدث فيضحك، فإذا جاء الحديث خشع (27). وقال سعيد بن عامر:(كنا عند هشام الدستوائي فضحك رجل منا فقال له هشام الدستوائي : تضحك وأنت تطلب الحديث؟!) (28).. كيف نعظم النبي -صلى الله عليه وسلم- ؟ : إن الأمر بتوقير النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعظيمه يعني أن ذلك عبادة لله - عز وجل - وقربة إليه - سبحانه - والعبادة التي أرادها الله - تعالى - ويرضاها من العبد هي ما ابتغي به وجهه، وكان على الصفة التي شرعها في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم- . فأما الإخلاص في الأعمال وابتغاء وجه الله فيها فهو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأن معناها لا معبود بحق إلا الله - سبحانه وتعالى .وأما متابعة النبي -صلى الله عليه وسلم- فهي مقتضى الشهادة بأن محمداً رسول الله، ولازم من لوازمها؛ إذ معنى الشهادة له بأنه رسول الله حقاً:(طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع)(29). وهذا كمال التعظيم، وغاية التوقير. وأي تعظيم أو توقير للنبي -صلى الله عليه وسلم- لدى من شك في خبره، أو استنكف عن طاعته، أو ارتكب مخالفته، أو ابتدع في دينه وعبد الله من غير طريقه؟! ولذا اشتد نكير الله - تعالى - على من سلكوا في العبادة سبيلاً لم يشرعها، فقال :(( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاًذَنْ بِهِ اللَّهُ)) [الشورى: 21]. وقال -صلى الله عليه وسلم-:(من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (30)، أي مردود عليه. ثم العبادة محلها القلب واللسان والجوارح: ويتحقق تعظيم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقلب بتقديم محبته على النفس والوالد والولد والناس أجمعين؛ إذ لا يتم الإيمان إلا بذلك (31)، ثم إنه لا توقير ولا تعظيم بلا محبة. وإنما يزرع هذه المحبة معرفته لقدره ومحاسنه -صلى الله عليه وسلم- (32). وإذا استقرت تلك المحبة الصادقة في القلب كان لها لوازم هي في حقيقتها مظاهر للتعظيم ودلائل عليه، ومن صور ذلك التعظيم : الثناء عليه -صلى الله عليه وسلم- بما هو أهله، وأبلغ ذلك ما أثنى عليه ربه عز وجل به، وما أثنى هو على نفسه به، وأفضل ذلك : الصلاة والسلام عليه؛ لأمر الله - عز وجل - وتوكيده :(( إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [الأحزاب : 56]، وهذا إخبار من الله تعالى: "بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر - تعالى - أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا"(33)، وصلاة المؤمنين عليه هي الدعاء طلباً للمزيد من الثناء عليه(34). والصلاة عليه مشروعة في عبادات كثيرة كالتشهد والخطبة وصلاة الجنازة وبعد الأذان وعند الدعاء وغيرها من المواطن (35). وأفضل صيغها : ما علمه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه حين قالوا أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ قال : "قولوا : اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد"(36). وغير خاف عليك ما في الصلاة عليه من الفوائد والثمرات من كونها سبباً لحصول الحسنات، ومحو السيئات، وإجابة الدعوات، وحصول الشفاعة، وصلاة الله على العبد، ودوام محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- وزيادتها، والنجاة من البخل (37). ومن تعظيمه : التأدب عند ذ كره -صلى الله عليه وسلم- بأن لا يذكر باسمه مجرداً، بل يوصف بالنبوة أو الرسالة، وهذا كما كان أدباً للصحابة - رضي الله عنهم - في ندائه فهو أدب لهم ولغيرهم عند ذكره، فلا يقل : محمد، ولكن : نبي الله، أو الرسول، ونحو ذلك. وهذه خصيصة له في خطاب الله في كتابه الكريم دون إخوانه من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فلم يخاطبه - تعالى - قط باسمه مجرداً، وحين قال :(( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ))[الأحزاب : 40] قال بعدها :(( ولَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)). يجيء التوجيه إلى هذا الأدب في قوله - تعالى - : ((لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً))[النور: 63] (38). ومنه : الإكثار من ذكره، والتشوق لرؤيته، و)تعداد فضائله وخصائصه ومعجزاته ودلائل نبوته، وتعريف الناس بسنته وتعليمهم إياها، وتذكيرهم بمكانته ومنزلته وحقوقه، وذكر صفاته وأخلاقه وخلاله، وما كان من أمور دعوته وسيرته وغزواته، والتمدح بذلك شعراً ونثراً((39). وأسعد الناس حظاً بذلك : المحدثون والمشتغلون بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- . والشرط في ذلك : كونه في حدود المشروع، وسطاً بين الجفاء وبين الغلو والإطراء. استشعار هيبته -صلى الله عليه وسلم- (ولجلالة قدره وعظيم شأنه، واستحضاره لمحاسنه ومكانته ومنزلته، والمعاني الجالبة لحبه وإجلاله وكل ما من شأنه أن يجعل القلب ذاكراً لحقه من التوقير والتعزير، ومعترفاً به ومذعناً له، فالقلب ملك الأعضاء، وهي جند له وتبع، فمتى ما كان تعظيم النبي -صلى الله عليه وسلم- مستقراً في القلب مسطوراً فيه على تعاقب الأحوال فإن آثار ذلك ستظهر على الجوارح حتماً لا محالة. وحينئذ سترى اللسان يجري بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه، وترى باقي الجوارح ممتثلة لما جاء به ومتبعة لشرعه وأوامره، ومؤدية لماله من الحق والتكريم)(40). وبرهان التعظيم الصادق هو تعظيم ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من الشريعة المتضمنة في الكتاب والسنة كما فهمها سلف الأمة، وذلك باتباعها والتزامها قلباً وقالباً، وتحكيمها في كل مناحي الحياة وشؤونها الخاصة والعامة؛ ومحال أن يتم الإيمان بدون ذلك :(( ويَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ ومَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ))[النور:47].. فإن هذا هو مقتضى التعظيم الحقيقي والتوقير الصادق؛ إذ العبرة بالحقائق لا بالمظاهر والأشكال الجوفاء، ولذا قدم الله - عز وجل - هذا الأدب العظيم على سائر الآداب الواجبة مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فنهى عن التقدم بين يديه بأمر دون أمره أو قول دون قوله، بل يكونون تبعاً لأمره منقادين له مجتنبين نهيه، فقال في أول سورة الحجرات :(( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [الحجرات:1]. ومن التقدم بين يديه : تقديم القوانين والتشريعات البشرية على شريعته، أو تفضيل حكم غيره على حكمه أو مساواته به، أو التزام منهج مخالف لهديه وسنته :(( فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [النساء:65](41). وأسعد الناس حظاً بسنته وأقربهم إلى الشرب من حوضه : أهل السنة والجماعة، فهم من أحيوا سنته واتبعوا شريعته وهديه. ومن توقيره وتعظيمه -صلى الله عليه وسلم- توقيره في آله، ومنهم أهل بيته - رضي الله عنهم أجمعين (42) ورعاية وصيته بهم بمعرفة فضلهم ومنزلتهم وشرفهم بقربهم من النبي -صلى الله عليه وسلم- زيادة على إيمانهم، وبحفظ حقوقهم والقيام بها، فهم أشرف آل على وجه الأرض، وأزواجه أمهات المؤمنين الطاهرات، قال الله - تعالى - :(( إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب : 33]، وقد أوجب الله الصلاة عليهم تبعاً للصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التشهد في الصلاة. ومنه : توقيره في سائر صحبه - رضي الله عنهم جميعاً(43) فإنهم خيرة الناس بعد الأنبياء، وخيرة الله لصحبة نبيه، وهم حماة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- والأمناء على دينه وسنته وأمته، وذلك بمعرفة فضلهم، ورعاية حقوقهم، فإن الطعن فيهم أو تنقُّصهم عنوان الزندقة. ومنه : الأدب في مسجده، وكذا عند قبره، وترك اللغط ورفع الصوت، ولذا أنكر عمر - رضي الله عنه - على من رفع صوته فيه. فقال للرجلين:(ترفعان أصواتكما في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- ؟! لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً)(44). ومن تعظيمه : حفظ حرمة بلده المدينة النبوية؛ فإنها مهاجره، ودار نصرته، وبلد أنصاره، ومحل إقامة دينه، ومدفنه، وفيها مسجده خير المساجد بعد المسجد الحرام. (والمقصود من تعظيم المدينة هو تعظيم حرمها، وهذا أمر واجب في حق من سكن بها أو دخل فيها، مع ما يجب على ساكنيها من مراعاة حق المجاورة وحسن التأدب فيها، وذلك لما لها من المنزلة والمكانة عند الله وعند رسوله -صلى الله عليه وسلم- )(45) فيتأكد فيها العمل الصالح وتعظم فيها السيئة؛ لشرف المكان. صور من البخس : بعد هذه الجولة الماتعة مع حق عظيم للنبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه لا يسوغ أبداً لمنتسب إلى السنة أن يجفو في حق نبيه -صلى الله عليه وسلم- فيخل بما يجب له من الإجلال والتوقير والتعظيم. ومن صور الإخلال : التقصير في معرفته أو معرفة سيرته وهديه أو فهم سنته أو الإخلال في تطبيقها غلواً أو جفاء. ومنها : إساءة العمل والتقصير في الصالحات، وخاصة ممن ينتسب لآل بيته الكرام. ومن العجيب مع تأكد هذا الحق العظيم أن يقع التعرض بسوء للمؤمنين الصادقين من آل البيت! وأعجب منه سب صحابته والنيل من أزواجه الطاهرات! وأكبر منها الإساءة إلى ذات النبي -صلى الله عليه وسلم-، والجرأة على نقده ولمز شريعته في ديار المسلمين !! ثم أين هو من دين النبي -صلى الله عليه وسلم- من يستبدل شريعته بقوانين البشر، أو يهزأ من هديه، أو يتعالى على سنته؟! وبعد : يا أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ! : هل عظَّم نبيكم وحبيبكم -صلى الله عليه وسلم- من حلف به مع أنه -صلى الله عليه وسلم- يقول :(من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) (46)، ويقول:(من حلف بغير الله فقد أشرك) (47)؟! وهل عظَّمه من توسل بذاته مع أن الصحابة توسلوا بدعائه لا بذاته، كما في حديث عمر حين طلب من العباس الدعاء والاستسقاء(48) والنبي -صلى الله عليه وسلم- عندهم في قبره؟! وهل عظَّمه من توجه إليه طالباً منه الشفاعة مع أن الله - عز وجل - بين للأمة أن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه - تعالى - ورضاه، وأمر من أراد الشفاعة بطلبها بطاعته؟! وهل عظمه من استغاث به مع أنه بشر لا يملك من أمره شيئا؟! أليس هذا تنكراً لمحبته وتعدياً لشرعه وعصياناً لأمره؟ حيث قال:(لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله) (49)؟! وهل من تعظيمه الابتداع في دينه، والزيادة في شريعته من التمسح بحجرته أو الاحتفال بمولده بعد اتفاقنا على نصحه لأمته ودلالتها على كل حسن؟! فأي حسن في عمل احتفالات ساعات أو أيام ثم التقصير والإهمال في سائر العام؟! وأي حسن في الاحتفال بزمن توفي فيه المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ؟! وأي حسن في مشابهة دين النصارى المفتونين بالاحتفالات؟! وأي حسن في التعدي على فقه الفاروق حين أرَّخ بهجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- رمز انتصار دينه، ولم يؤرخ بمولده ووفاته، تقديماً للحقائق والمعاني على الطقوس والأشكال؟! وأي حسن في تجديد دين الدولة العبيدية الباطنية الحاقدة التي ابتدعت ذلك الاحتفال؟! وأي حسن في عمل لم يشرعه الحبيب -صلى الله عليه وسلم-، ولم يفعله أنصاره وحماة دينه وحملة رسالته - رضي الله عنهم- ؟ أليسوا أصدق الناس حباً له؟! أليس فقه الراشدين وفهمهم وسنتهم مما أوصاكم به نبيكم -صلى الله عليه وسلم- قائلا : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ((50)؟! أليس فعل المولد مخالفة لأمره وإياكم ومحدثـــات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)؟! فأي تعظيم للنبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الموالد التي صارت ركباً للمدعين، وحجة للبطالين؟! ألا ترون المولد - بعد هذا - تقصيراً في حق حبيبنا -صلى الله عليه وسلم- وظلماً له؟! الـلـهــــم اجعلنا من المعظمين رسولنا -صلى الله عليه وسلم- حق التعظيم المتبعين شرعه، وتوفنا على سنته.. آمين. الهوامش : (1) الصارم المسلول، لابن تيمية، 422. (2) لسان العرب، لابن منظور : 4 /3005. (3) انظر : حقوق النبي -صلى الله عليه وسلم- على أمته، د. محمد التميمي، 2/422. (4) انظر : شعب الإيمان، للبيهقي : 2/193. (5) من ذلك مثلاً : شمائل النبي -صلى الله عليه وسلم-، للترمذي، واختصره الألباني، وسبل الهدى والرشاد، للصالحي، وغاية السول في خصائص الرسول، لابن الملقن، وبداية السول في تفضيل الرسول، للعز - وهي رسالة لطيفة حققها الألباني وذكر أن جميع أحاديثها ثابتة -، والخصائص الكبرى للسيوطي، ونحوها. (6) أخرجه ابن حبان، وانظر السلسلة الصحيحة، 1571. (7) مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، 10 /727. (8) انظر: جلاء الأفهام :277. (9) جلاء الأفهام، لابن القيم، ت : مشهور سلمان، ص 284 - 291. (10) انظر : التبيان في أقسام القرآن، ص428، شرح الشفا للقاضي عياض، لملا علي القاري، 1 /72. (11) جلاء الأفهام، ص 297 0 (12) الصارم المسلول، ص 211. (13) انظر: التأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ضوء الكتاب والسنة، حسن نور حسن، ص : 37 - 123. (14) انظر مبحثاً جامعاً في : حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، د. محمد التميمي، 2/447 - 461. (15) قوله : "إن" معناها : (ما) النافية، أي : ما رأيت. (16) رواه البخاري، كتاب الشروط، 3/178. (17) رواه البخاري، كتاب الجهاد، 3/213. (18) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، ح /121. (19) رواه الخطيب البغدادي - رحمه الله - في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع : 2/67. (20) رواه ابن عبد البر، في جامع بيان العلم وفضله، 2/1217 - 1219، وذكر المحقق صحة إسناده. (21) انظر : شرح الشفا : 2/77. (22) رواه ابن عبد البر في جامعه، 2/1220، وذكره القاضي عياض في الشفا، انظر : شرح الشفا، 2/76. (23) ذكره في الشفا : انظر : الشرح، 2/75، وتعظيم النبي -صلى الله عليه وسلم-، لأسعد الصاغرجي، ص 21. (24) السابق : 2/57، وذكره عياض في الشفا، انظر : شرحه : 2/76. (25) السابق : 1 /89. (26) أورده ابن كثير في البداية والنهاية : 4 /280، وابن حجر في الإصابة : 4 /299 - 300. (27) أخرجه البيهقي في الشعب، 2/201، ح 1530. (28) الحديثان في صحيح البخاري، في التفسير، 6/46. (29) مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب : 1/190. (30) رواه مسلم، ح 1718. (31) كما في الحديث الذي رواه مسلم، ح 44. (32) انظر : شعب الإيمان للبيهقي : 2/133. (33) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير : 3/507، وانظر في تفسير الآية فصلاً مطولاً في جلاء الأفهلم، 253 - 276. (34) انظر: التـأدب مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، حسن نور حسن : 197. (35) وقد أوصلها ابن القيم إلى واحد وأربعين موطناً، انظر : جلاء الأفهام : 463 - 611. (36) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، 6/27. (37) ذكر ابن القيم لها ثلاثاً وثلاثين فائدة، انظر جلاء الأفهام : 612 - 627. (38) انظر : تفسير ابن كثير : 3/306، وجلاء الأفهام : 641، والصارم المسلول : 432. (39) حقوق النبي -صلى الله عليه وسلم- على أمته، للتميمي : 2/472 (40) السابق : 2/470. (41) انظر: التأدب مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، حسن نور حسن، 230. (42) انظر: شرح الشفا : 2/80، وحقوق النبي -صلى الله عليه وسلم- : 2/479. (43) انظر : السابقين :2/88، 2/485. (44) رواه البخاري، الصلاة، ح./ 470. (45) حقوق النبي : 2/493. (46) رواه البخاري، كتاب الإيمان والنذور، 7/ 221. (47) رواه أبو داود : ح /3251، 3/570، وانظر : صحيح سنن أبي داود : ح /2787، 2/627. (48) أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، 2 /16. (49) رواه البخاري، كتاب الأنبياء، (فتح 6/551)، ح /3445. (50) رواه الترمذي : كتاب العلم، رقم (2676). الكـاتب : عبد اللطيف بن محمد الحسن أسأل الله تعال أن يشغلنا بذكره وطاعته [b]ويطهر ألسنتنا..من كل ما يغضبه .. [/b][/rtl] [/center][/center]
  2. بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم الحياء خلق إسلامي رفيع، يحمل صاحبه على تجنب القبائح والرذائل، ويأخذ بيده إلى فعل المحاسن والفضائل . ويكفي لمعرفة منـزلة هذا الخلق ومكانته في الإسلام، أن نقرأ قوله صلى الله عليه وسلم: ( الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) رواه البخاري و مسلم ، فالحياء فرع من فروع الإيمان، وطريق من الطرق المؤدية إليه . وإذا كانت منزلة الحياء في الإسلام على هذه الدرجة الرفيعة، فلا عجب أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الناس اتصافاً بهذا الخلق الرفيع، فقد كان أكثر الناس حياءً، وأشدهم تمسكًا والتزامًا بهذا الخلق الكريم . ويشبه لنا الصحابة الكرام خلقه صلى الله عليه وسلم، بأنه كان أشد حياء من الفتاة في بيت أهلها؛ يروي لنا الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ذلك، فيقول: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها ) رواه البخاري و مسلم . وأول مظاهر حيائه صلى الله عليه وسلم وأولاها، يتجلى في جانب خالقه سبحانه وتعالى؛ ولهذا لما طلب موسى عليه السلام من نبينا صلى الله عليه وسلم أن يراجع ربه في قضية تخفيف فرض الصلاة، وذلك في ليلة الإسراء والمعراج، قال صلى الله عليه وسلم لموسى: ( استحييت من ربي ) رواه البخاري ؛ فبعد أن سأل نبينا ربه عدة مرات أن يخفف عن أمته من عدد الصلوات، إلى أن وصل إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، منع خُلق الحياء نبينا صلى الله عليه وسلم من مراجعة ربه أكثر من ذلك . وأما حياؤه صلى الله عليه وسلم من الناس، فالأمثلة عليه كثيرة ومتنوعة؛ فقد ورد أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كيفية التطهر من الحيض، فأخبرها أن تأخذ قطعة من القماش، وتتبع بها أثر الدم، إلا أن تلك المرأة لم تفهم عن النبي قصده تمامًا، فأعادت عليه السؤال ثانية، فأجابها كما أجابها في المرة الأولى، غير أنها أيضًا لم تستوعب منه قوله، فسألته مرة ثالثة فاستحيا منها وأعرض عنها، وكان عائشة رضي الله عنها حاضرة الموقف، فاقتربت من تلك المرأة وشرحت لها الأمر بلغة النساء . ومن الأدلة على حيائه صلى الله عليه وسلم، ما جاء في الصحيحين، عن أنس رضي الله عنه، في قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بـ زينب بنت جحش رضي الله عنها، فبعد أن تناول الصحابة رضي الله عنهم طعامهم تفرق أكثرهم، وبقي ثلاثة منهم في البيت يتحدثون، والنبي صلى الله عليه وسلم يرغب في خروجهم، ولكن، ولشدة حيائه صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم شيئًا، وتركهم وشأنهم، حتى تولى الله سبحانه بيان ذلك، فأنزل عليه قوله تعالى: { فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق } (الأحزاب:53) . وكان من حيائه صلى الله عليه وسلم، أنه كان إذا بلغه عن الرجل أمر غير جيد، أو رأى منه سلوكًا غير قويم، لا يخاطب ذلك الشخص بعينه، ولا يوجه كلامه إليه مباشرة، حياءً منه، ولكي لا يجرح مشاعره أمام الآخرين، بل كان من خلقه وهديه في مثل هذا الموقف أن يوجه كلامه إلى عامة من حوله، من غير أن يقصد أحدًا بعينه، فكان يقول: ( ما بال أقوام يقولون: كذا وكذا ) رواه أبو داود . وهذا من حيائه صلى الله عليه وسلم، وتقديره للآخرين أن يجرح مشاعرهم، أو يشهِّر بهم أمام أعين الناس . وكان من أمر حيائه صلى الله عليه وسلم، أنه إذا أراد أن يغتسل اغتسل بعيدًا عن أعين الناس - ولم تكن الحمامات يومئذ في البيوت، كما هو شأنها اليوم - ولم يكن لأحد أن يراه، وما ذلك إلا من شدة حيائه. أخبرنا بهذا ابن عباس رضي الله عنه، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من وراء حجرات، وما رأى أحد عورته قط ). رواه الطبراني ، قال ابن حجر : وإسناده حسن. ومن صور حيائه ما جاء في سنن الدارمي ، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حييًا، لا يُسأل شيئًا إلا أعطاه ) وهذا من طبع الحيي أنه لا يرد سائله، ولا يخيب طالبه وقاصده . ولم تكن صفة الحياء عنده صلى الله عليه وسلم صفة طارئة، بل كانت صفة ملازمة له في كل أحيانه وأحواله؛ في ليله ونهاره، وفي سفره وإقامته، وفي بيته ومجتمعه، ومع القريب والبعيد، والصديق والعدو، والعالم والجاهل؛ وقد روى لنا القاضي عياض في صفة مجلسه صلى الله عليه وسلم، فقال: ( مجلسه مجلس حلم وحياء ) فما ظنك بمن كانت مجالسه، مجالس تسود فيها صفات الحلم والحياء ؟! لكن يشار هنا، إلى أن الحياء لا ينبغي أن يكون مانعًا للمسلم أبدًا من أن يتعلم أمور دينه ودنياه؛ فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون رسول الله عن كل ما يعنيهم في أمر دينهم أو دنياهم، حتى ورد في الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم علم صحابته كل شيء، حتى الأمور المتعلقة بقضاء الحاجات؛ كالدخول إلى الحمام بالرجل اليسرى، والخروج منها باليمنى، وعدم استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وعدم استعمال اليد اليمنى حال إزالة النجاسة، ونحو ذلك من الأمور التي لم تمنع الصحابة من أن يسألوا عنها لتعلقها بعبادتهم ونظافتهم . وكذلك كان النساء من الصحابة، يسألن رسول الله عن شؤون دينهن، وقد صح أن الصحابية أم سُليم رضي الله عنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل، إذا رأت الجنابة في منامها؟ فقال لها: ( نعم، إذا رأت الماء ). والحديث في الصحيحين. فقد علمت رضي الله عنها أن دينها يفرض عليها أن تتعلم أمور دينها، لذلك لم تستحِ من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عما دعت الحاجة إليه، وقدمت لسؤالها بقولها: ( إن الله لا يستحيي من الحق ) حتى تقطع الطريق على من قد يسمع سؤالها، فيتبادر إلى ذهنه أن سؤالها هذا ينافي الحياء ويجافيه . المصدر : اسلام ويب
  3. بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،، " الشرح للشيخ ابن جبرين رحمه الله " الحديث قال الإمام البخاري –رحمه الله تعالى- في كتاب: الإيمان: >>باب: حلاوة الإيمان. حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: {ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار } ..::.. الحلاوة: اللذة التي يجدها الإنسان في فمه إذا طعم شيئا له طعم حال. وضدها: المرارة. فالمذوقات التي توضع في الفم، منها ما هو حلو، ومنها ما هو مر، إن ...الحاليات مثل: التمر، والعسل، والعنب، وغير ذلك من الفواكه والمأكولات اللذيذة التي يحس بطعمها في فمه. وهناك مأكولات أو مطعومات مرة المذاق ..::.. الإيمان له حلاوة، يعني: له لذة. اختلف العلماء هل حلاوة الإيمان حسية أو معنوية؟ أكثرهم قالوا: إنها معنوية؛ لأن الحلاوة ما يوجد طعمه في الفم، والأعمال هذه لا يوجد لها طعم في الفم، فتكون حلاوة معنوية. وقال آخرون: إنها حسية، وإن للأعمال الصالحة حلاوة قد تكون أشد من حلاوة الأطعمة الحالية اللذيذة. وذكروا أدلة على ذلك، وهو أن: كثيرا من السلف يستحلون العبادات، ويستلذون بها، ويجدون لها أثرا في قلوبهم، وفي أجسادهم، فيقول بعضهم: إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا. أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. يجد للطاعة حلاوة ولذة؛ حتى يقول: إذا كان هذا مثل نعيم الجنة إنه لنعيم طيب؛ مع أن هذا في الدنيا. ..::.. وأن من أسبابها: حصول هذه الثلاث: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: - الأولى - أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما يعني: أن يقدم محبة الله ومحبة رسوله على محبة نفسه وولده وإخوته وأهله وذويه وماله وأقاربه وأسرته والناس كلهم؛ وذلك لأنه يعرف بأن الله تعالى هو ربه، وهو مالكه، وهو المتصرف فيه؛ فيحبه من كل قلبه. ويعرف –أيضا- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو رسول الله إلى الأمة، وهو الذي أنقذهم الله به من الضلالة ومن الكفر ومن العصيان، فيحبه –أيضا- من كل قلبه، فيكون بذلك مقدما لمحبة الله ومحبة رسوله على محبة كل شيء. وإذا أحب الله تعالى أحب عبادته؛ أحب الصلاة والصوم والصدقة، وأحب الذكر والدعاء وقراءة القرآن، وأحب جميع الطاعات، وتلذذ بها، وواظب عليها، وأكثر منها، وكذلك أيضا أحب كل من يحبهم الله. هذه علامة محبة الله. ومحبة النبي -صلى الله عليه وسلم- علامتها: أن يتبعه، ويطيعه، ويعمل بكل ما أمره به. فيؤمن بأنه رسول الله حقا، وكذلك يطيعه في كل ما وجه إليه، وكذلك يقتدي به ويتخذه أسوة؛ لقول الله تعالى: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ "وكذلك إذا أحب النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه يكره معصيته والخروج عن سنته. هذا هو حقيقة محبة الله ورسوله. ..::.. الخصلة الثانية: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله محبة الإنسان للخلق تتفاوت: هناك المحبة الطبيعية: محبة الإنسان لأولاده، ومحبته لأبويه هذه محبة طبيعية لا يلام عليها؛ ولأجل ذلك فإنه يسعى في طلب الرزق والمعيشة، ويبذلها رخيصة لأولاده ولأحفاده ولأبويه ولأقاربه ولمن يحبه. فهذه محبة طبيعية. وهناك محبة لمنفعة: بأن تحب هذا؛ لأنه نفعك نفعا دينيا، أو نفعا دنيويا، فتحبه، ويميل قلبك إليه؛ لحسن عمله؛ ولحسن خلقه. وهذا كله لا ينافي محبة الإيمان. هناك المحبة الدينية: وهي أن تحب الإنسان لصلاحه ولتقاه ولعبادته واستقامته ولالتزامه بأمر الله تعالى؛ مع أنه ما نفعك في دنياك، ولا شفع لك، ولا أهدى إليك، ولا أعطاك، ولا تسبب في عمل لك، ولا غير ذلك؛ ولكن رأيته رجلا صالحا، ورأيته يتعبد، ورأيته يواظب على الصلوات، ورأيته يتبع الحق ويبتعد عن الباطل، ويبعد عن الآثام والمحرمات، فأحببته من كل قلبك. فكانت هذه محبة دينية. جاء في الحديث -حديث السبعة- سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ثم قال: ورجلان تحابا في الله –أي- اجتمعا على ذلك، وتفرقا على ذلك يعني: كل منهما أحب أخاه لله تعالى لا لعرض من الدنيا. فهذه المحبة الدينية هي التي يجد بها حلاوة الإيمان؛ وذلك لأنه إذا أحب من يحبهم الله تعالى فإنه يقتدي بهم؛ إذا رأيته يتهجد فإنك تحبه وتقتدي به، وإذا رأيته يرتل القرآن فإنك تحبه وتقتدي به، وإذا رأيته يتصدق، وإذا رأيته يصوم، وإذا رأيته يدعو إلى الله، وإذا رأيته ينصح، وإذا رأيته يأمر أو ينهى أو يرشد، وإذا رأيته يبر والديه ويصل رحمه، ونحو ذلك؛ فإنك تحبه، ثم تقتدي به في هذه الأعمال. وأما المحبة العاجلة الدنيوية؛ فإنها ليست مستقرة، نعرف وتعرفون اثنين كانا متصادقين، ثم بعد ذلك تهاجرا وتقاطعا، تسأل: يا فلان؛ قد كنت صديقا لفلان ثم إنك أخذت تسبه، فلا يذكر سببا؛ إلا أمرا دنيويا، فيقول –مثلا- إنه خانني، إنه ما شفع لي، إنه ما نفعني، إنه أخذ مني شيئا ولم يرده. فيكون هجره ومقاطعته؛ لأجل أمر دنيوي. هل تتهمه في عقيدته؟ هل تقول: إنه يزني أو يسرق؟ هل تتهمه بأنه لا يصلي ولا يصوم؟ فيقول: لا والله؛ بل إنه مواظب على العبادة، وإنه متنزه عن الآثام؛ ولكنه ما نفعني لما طلبت منه كذا وكذا، فقاطعته. لا شك أن هذا دليل على أنها محبة عاجلة، محبة دنيوية. ..::.. الخصلة الثالثة: قوله: وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار يكره الكفر، الله تعالى أنقذه من الكفر وهداه للإيمان، وسدده وثبته ووفقه، فآمن، ودخل في الإيمان، والتزم بالطاعة؛ فلأجل ذلك يكره الكفر بعد الإيمان، وكذلك يكره الضلالة بعد الهدى، ويكره الانحراف بعد الاستقامة، ويكره الجهل بعد العلم، ويكره المعصية بعد الطاعة، يعني: كل شيء يكرهه الله فإنه يكرهه؛ ولو عذب؛ ولو أحرق؛ ولو قيل له: اكفر وإلا أحرقناك، فإنه يصبر على الأذى، يكره الكفر كما يكره أن يقذف في النار. وهكذا أيضا يكره المعصية؛ ولو كانت مما تشتهيها النفس؛ ولو كانت لذيذة ومحبوبة عند النفس، فإنه يعلم أن ربه حرمها، وأن ربه يكرهها؛ فلأجل ذلك يقول: أكره كل شيء نهاني عنه ربي، ولا أقترب منه؛ ولو كان فيه لذة دنيوية، فيكره الكبر؛ ولو كانت النفس تدعو إليه، ويكره الإعجاب، ويكره الزنا؛ ولو كانت النفس تندفع إليه، ويكره فاحشة اللواط –مثلا- ويكره الخمر، ويكره سماع الغناء، ويكره النظر في الصور والأفلام الخليعة ونحوها، ويكره النظر إلى النساء المتكشفات، والمرأة –أيضا- تكره التبرج؛ ولو كان قد فعلته فلانة.. وفلانة، وتكره التكشف، وتكره المعاكسات، وما أشبهها. يكره كل إنسان ما يغضب الله، وما نهاه الله عنه. فهذا هو علامة محبة الإيمان، وعلامة حلاوته. شرح بتصرف للشيخ ابن جبرين رحمه الله
  4. [b][b][b][b][b][/b][/b][/b][/b][/b] السلام عليكم و رحمة الله و بركاته الحمد لله ، نحمده و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور انفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و على آله و أصحابه و من تبعهم بإحسان الى يوم الديـــن و سلم تسليما كثيرا ، أما بعد ... أحاطت العناية الربانية بالنبي صلى الله عليه وسلم منذ نعومة أظفاره ، فنشأ على سلامة الفطرة ، ونقاء القلب ، حنيفاً مائلاً عن الشرك ، وتكفي إطلالة سريعة على سيرته الكريمة قبل البعثة وبعدها ، لتعرف كيف حماه ربّه من الوقوع في براثن الشرك ، وكيف صانه من هيمنة المنهج الجاهلي المنحرف . ويأتي في مقدم ذلك ، استنكافه صلى الله عليه وسلم عن وثنيات قومه ، وتعظيمهم لآلهتهم التي كانوا يعبدونها ، ويتوجّهون إليها بالدعاء ، ويجعلون لها النذور ، ويقدّمون لها القرابين المختلفة ، ويذبحون لها الأنعام . ومن الروايات التي تؤكّد هذه العصمة ، ما جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل " بلدح " ، وذلك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي ، فقُدِّمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم ، فأبى أن يأكل منها ثم قال : ( إني لا آكل ما تذبحون على أنصابكم ، ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه ) . وفي هذا الصدد ، لجأ أعداء الإسلام إلى روايات تعارض الحادثة السابقة ، فاتخذوها سلّما للطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونقض ما تقرّر من هذه العصمة الإلهية . وكان مستندهم في ذلك ، روايات توهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكل مما ذُبح على تلك الأنصاب ، وأخرى نسبت إلى النبي صلى الله عليه وسلّم الأمر بالذبح لغير الله تعالى . ومن المعلوم أن روايات التاريخ فيها الصحيح والضعيف ، وفيها الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخرى وقع فيها الوهم أو الخلط من راويها ، الأمر الذي جعل علماء الحديث يفنون أعمارهم في تمييز الحق وإثباته ، والكشف عن الباطل والتحذير منه ، ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بالنظر في أسانيد الروايات ومراجعة متونها . فأما ما يتعلّق بأكله مما ذُبح على النصب ، فقد روى الإمام أحمد في مسنده و الطبراني في معجمه ، و البزار في مسنده ، وذكر الرواية الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد ، كل ذلك من طريق المسعودي حيث قال : حدثنا نفيل بن هشام عن أبيه ، عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: " مر زيد بن عمرو بن نفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة ، فدعواه إلى سفرة لهما فقال : يا ابن أخي إني لا آكل مما ذبح على النصب ، قال : فما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك اليوم أكل مما ذبح على النصب . إن الزيادة الموهمة في الرواية السابقة : " فما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك اليوم أكل مما ذبح على النصب " معلولة لا تصحّ عند أهل الحديث ، وآفتها المسعودي ، واسمه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي ، فهذا الراوي قد اختلط في آخر حياته ، حتى إن الإمام أبو حاتم البستي قال عنه في كتاب " المجروحين " : " وكان المسعودي صدوقاً ، إلا أنه اختلط في آخر عمره اختلاطا شديدا حتى ذهب عقله ، وكان يحدث بما يجيئه فحمل ، فاختلط حديثه القديم بحديثه الأخير ولم يتميز ، فاستحق الترك " . ثم إن الحديث عن المسعودي قد رُوي بلفظين مختلفين ، فقد جاء في رواية أبي قطن بلفظ : " وما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم آكلا مما ذبح على النصب " ، فهذه الرواية تنفي عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفعل مطلقا ، سواء أكان قبل لقائه ب زيد أم بعدها ، يقول الإمام الذهبي : " فهذا اللفظ مليح يفسر ما قبله ،وما زال المصطفى محفوظا محروسا قبل الوحي وبعده " . ولئن سلمنا من هذه العلّة ، فلن نسلم من العلة التي تليها ، وهي جهالة حال نفيل بن هشام بن سعيد وأبيه ، : قال صاحب " تعجيل المنفعة " : نفيل بن هشام : روى عنه وكيع ، وقال يحي بن معين : لا أعرفه ) ، وأبوه لم يوثّقه غير ابن حبان كعادته في توثيق المجاهيل ، والحاصل أن هاتين العلتين مما توجبان ردّ هذه الرواية وعدم قبولها . وننتقل إلى الكلام عن الرواية الثانية ، وهي التي رواها البزار في مسنده ، و النسائي في سننه الكبرى ، وذكرها الإمام الذهبي في السير ، من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن و يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أسامة بن زيد عن زيد بن حارثة رضي الله عنه قال : " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مردفي إلى نصب من الأنصاب ، فذبحنا له شاة ثم صنعناها له ، حتى إذا نضجت جعلناها في سفرتنا .....- إلى أن قال - وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم البعير الذي تحته ، ثم قدمنا إليه – يعني إلى زيد بن عمرو بن نفيل - السفرة التي كان فيه الشواء ، فقال : ما هذا ؟ ، قلنا : هذه الشاة ذبحناها لنصب كذا وكذا ، فقال زيد بن عمرو : إني لا آكل شيئا ذُبح لغير الله . ثم تفرقنا ، وكان صنمان من نحاس يقال لهما "إساف ونائلة " ، فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفت معه ، فلما مررت مسحت به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تمسه ) - وفي مسند أبي يعلى : ( لا تمسحهما فإنهما رجس ) - وطفنا ، فقلت في نفسي : لأمسنه أنظر ما يقول ، فمسحته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تمسه ؛ ألم تنه ؟ ) . قال : فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ، ما استلم صنما حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب " . ونلحظ في الرواية السابقة ما يلي : أولا : أن في سند هذه الرواية محمد بن عمرو بن واقصة الليثي ،وقد قال فيه الحافظ : " صدوق له أوهام " ، وقال الجوزجاني وغيره :" ليس بقوي " ، بل قال الإمام الذهبي عنه في معرض كلامه عن هذه الرواية بعينها : " لا يحتج به " . ثانياً : أن الزيادات التي وردت في هذا الحديث هي زيادات منكرة ، ويدلّ على ذلك الأوجه التالية : الوجه الأول : كيف يصحّ أن يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلّم الأمر بالذبح لهذا النصب ، وفي الحديث ذاته ينهى مولاه زيد عن فعل أدنى درجات التعظيم للنصب ، وهو مسّ النصب ، ثم تعليله لذلك بأنها رجس ؟ ، ولذلك يقول الإمام الذهبي : " وكيف يجوز ذلك وهو عليه السلام قد منع زيدا أن يمس صنماً ؟ ، وما مسه هو قبل نبوته ، فكيف يرضى أن يذبح للصنم ؟ ، هذا محال " . الوجه الثاني : جاء في مسند الإمام أحمد عن جار ل خديجة رضي الله عنهما ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ل خديجة : ( أي خديجة ، والله لا أعبد اللات أبدا ، والله لا أعبد العزى أبدا ) ، قال : فتقول خديجة : " خلّ العزى " ، فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ما عُرف من حاله ولا مقاله تعظيمه للنصب على أي وجهٍ كان . الوجه الثالث : هذه الزيادات التي وردت في هذه الرواية تخالف سرد القصة عند الإمام البخاري ، فقد جاءت رواية الإمام البخاري لتفيد أن النبي صلى الله عليه وسلّم هو الذي أبى أن يأكل مما ذُبح على النصب ، كما تقدّم في بداية البحث ، وهذه الرواية هي التي ينبغي أن نعوّل عليها ؛ لأننا نعلم أن الأمة قد أجمعت على تلقّي هذا الكتاب بالقبول ، كما ذكر ذلك غير واحد من الأئمة ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " فليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري و مسلم بعد القرآن " ، ولأننا نعلم مدى عناية الإمام البخاري في اختياره لأحاديث كتابه ، فقد انتقى تلك الأحاديث من حوالي ستمائة ألف حديث يحفظها ، وكان يصلّي ركعتين عند كتابة كل حديث ، حتى أتم كتابه خلال ستة عشر سنة ، يقول الإمام البخاري في ذلك : " صنفت الصحيح في ست عشرة سنة ، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى " ، ولم يكتف بذلك ، بل عرض كتابه على كبار الأئمة في زمانه ، فاستحسنوه وأشادوا به ، والكلام في البخاري وكتابه يطول ، وحسبنا أن نشير إلى بحث تم بسط المقال فيه عن ذلك بعنوان : " الدفاع عن الصحيحين دفاع عن الإسلام " ، والمقصود أن وجود مثل هذا الاختلاف مع اتحاد القصة يفيد نكارة مثل هذه الزيادات . فالثابت قطعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ذبح لصنم قط ، وما أكل مما ذُبح تعظيماً لآلهة باطلة ، وبذلك تكون هذه الحادثة شاهداً جديداً على الكمال الذي وصل إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، والعصمة التي جعلته بمعزل عن كل ما يُستقبح ، والله الموفق .
  5. [center][rtl]الحمد لله ، نحمده و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله[/rtl] [rtl]من شرور انفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له[/rtl] [rtl]و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و على آله و أصحابه و من تبعهم بإحسان الى يوم الديـــن و سلم تسليما كثيرا ،أما بعد يطيب لي مرة اخرى إخوة الايمان في منتدى السنة النبوية وأعلام الامة أن اضع بين أيديكم السلسسة المعروفة برجال حول الرسول [/rtl] [rtl] للكاتب والمفكر خالد محمد خالد[/rtl] اليوم مع أبو ذر الغفاري أبو ذر الغفاري - زعيم المعارضة وعدو الثروات أقبل على مكة نشوان مغتبطا.. صحيح أن وعثاء السفر وفيح الصحراء قد وقذاه بالضنى والألم، بيد أن الغاية التي يسعى اليها، أنسته جراحه، وأفاضت على روحه الحبور والبشور. ودخلها متنكرا، كأنه واحد من أولئك الذين يقصدونها ليطوّفوا بآلهة الكعبة العظام.. أو كأنه عابر سبيل ضل طريقه، أو طال به السفر والارتحال فأوى اليها يستريح ويتزوّد. فلو علم أهل مكة أنه جاء يبحث عن محمد صلى الله عليه وسلم، ويستمع اليه لفتكوا به. وهو لا يرى بأسا في أن يفتكوا به، ولكن بعد أن يقابل الرجل الي قطع الفيافي ليراه، وبعد أن يؤمن به، ان اقتنع بصدقه واطمأن لدعوته.. ولقد مضى يتسمّع الأنباء من بعيد، وكلما سمع قوما يتحدثون عن محمد اقترب منهم في حذر، حتى جمع من نثارات الحديث هنا وهناك ما دله على محمد، وعلى المكان الذي يستطيع أن يراه فيه. في صبيحة يوم ذهب الى هناك، فوجد الرسول صلى الله عليه وسلم جالاسا وحده، فاقترب منه وقال: نعمت صباحا يا أخا العرب.. فأجاب السول عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام يا أخاه. قال أبو ذر:أنشدني مما تقول.. فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام: ما هو بشعر فأنشدك، ولكنه قرآن كريم. قال أبو ذر: اقرأ عليّ.. فقرأ عليه الرسول، وأبو ذر يصغي.. ولم يمضي من الوقت غير قليل حتى هتف أبو ذر: "أشهد أن لا اله الا الله. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله"! وسأله النبي: ممن أنت يا أخا العرب..؟ فأجابه أبو ذر: من غفار.. وتألقت ابتسامة على فم السول صلى الله عليه وسلم، واكتسى وجهه الدهشة والعجب.. وضحك أبو ذر كذلك، فهو يعرف سر العجب الذي كسا وجه الرسول عليه السلام حين علم أن هذا الذي يجهر بالاسلام أمامه انما هو رجل من غفار..!! فغفار هذه قبيلة لا يدرك لها شأو في قطع الطريق..!! وأهلها مضرب الأمثال في السطو غير المشروع.. انهم حلفاء الليل والظلام، والويل لمن يسلمه الليل الى واحد من قبيلة غفار. أفيجيء منهم اليوم، والاسلام لا يزال دينا غصّا مستخفيا، واحد ليسلم..؟!يقول أبو ذر وهو يروي القصة بنفسه: ".. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرفع بصره ويصوّبه تعجبا، لما كان من غفار، ثم قال: ان الله يهدي من يشاء. ولقد كان أبو ذر رضي الله عنه أحد الذين شاء لهم الهدى، وأراد بهم الخير. وانه لذو بصر بالحق، فقد روي عنه أنه أحد الذين شاء الله لهم الهدى، وأراد بهم الخير. وانه لذو بصر بالحق، فقد روي عنه أنه أحد الذين كلنوا يتألهون في الجاهلية، أي يتمرّدون على عبادة الأصنام، ويذهبون الى الايمان باله خالق عظيم. وهكذا ما كاد يسمع بظهور نبي يسفّه عبادة الأصناك وعبّادها، ويدعو الى عبادة الله الواحد القهار، حتى حث اليه الخطى، وشدّ الرحال. أسلم أبو ذر من فوره..وكان ترتيبه في المسلمين الخامس أو السادس..اذن، هو قد أسلم في الأيام الأولى، بل الساعات الأولى للاسلام، وكان اسلامه مبكرا..وحين أسلم كان الرسول يهمس بالدعوة همسا.. يهمس بها الى نفسه، والى الخمسة الذين آمنوا معه، ولم يكن أمام أبي ذر الا أن يحمل ايمانه بين جنبيه، ويتسلل به مغادرا مكة، وعائدا الى قومه...ولكن أبا ذر، جندب بن جنادة، يحمل طبيعة فوارة جيّاشة. لقد خلق ليتمرّد على الباطل أنى يكون.. وها هو ذا يرى الباطل بعينيه.. حجارة مرصوصة، ميلاد عابديها أقدم من ميلادها، تنحني أمامها الجباه والعقول، ويناديها الناس: لبيك.. لبيك..!! وصحيح أنه رأى الرسول يؤثر لهمس في أيامه تلك.. ولكن لا بدّ من صيحة يصيحها هذا الثائر الجليل قبل أن يرحل. لقد توجه الى الرسول عليه الصلاة والسلام فور اسلامه بهذا السؤال:يا رسول الله، بم تأمرني..؟ فأجابه الرسول: ترجع الى قومك حتى يبلغك أمري..فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالاسلام في المسجد..!! ألم أقل لكم..؟؟ تلك طبيعة متمرّدة جيّاشة، أفي اللحظة التي يكشف فيها أبو ذر عالما جديدا بأسره يتمثل في الرسول الذي آمن به، وفي الدعوة التي سمع بتباشيرها على لسانه.. أفي هذه اللحظة يراد له أن يرجع الى أهله صامتا.؟هذا أمر فوق طاقته..هنالك دخل المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته: [أشهد أن لا اله الا الله.. وأشهد أن محمدا رسول الله]... كانت هذه الصيحة أول صيحة بالاسلام تحدّت كبرياء قريش وقرعت أسماعها.. صاحها رجل غريب ليس له في مكّة حسب ولا نسب ولا حمى.. ولقد لقي ما لم يكن يغيب عن فطنته أنه ملاقيه.. فقد أحاط به المشركون وضربوه حتى صرعوه.. وترامى النبأ الى العباس عم النبي، فجاء يسعى، وما استطاع أن ينقذه من بين أنيابهم الا بالحيلة لذكية، قال له: "يا معشر قريش، أنتم تجار، وطريقكم على غفار،، وهذا رجل من رجالها، ان يحرّض قومه عليكم، يقطعوا على قوافلكم الطريق".. فثابوا الى رشدهم وتركوه. ولكن أبا ذر، وقد ذاق حلاوة الأذى في سبيل الله، لا يريد أن يغادر مكة حتى يظفر من طيباته بمزيد...!! وهكذا لا يكاد في اليوم الثاني وربما في نفس اليوم، يلقى امرأتين تطوفان بالصنمين (أساف، واثلة) ودعوانهما، حتى يقف عليهما ويسفه الصنمين تسفيها مهينا.. فتصرخ المرأتان، ويهرول الرجال كالجراد، ثم لا يفتون يضربونه حتى يفقد وعيه.. وحين يفيق يصرخ مرة أخرى بأنه " يشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله". ويدرك الرسول عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد، وقدرته الباهرة على مواجهة الباطل. بيد أن وقته لم يأت بعد، فيعيد عليه أمره بالعودة الى قومه، حتى اذا سمع بظهور الدين عاد وأدلى في مجرى الأحداث دلوه.. ويعود أبو ذر الى عشيرته وقومه، فيحدثههم عن النبي الذي ظهر يدعو الى عبادة الله وحده ويهدي لمكارم الأخلاق، ويدخل قومه في الاسلام، واحدا اثر واحد.. ولا يمتفي بقبيلته غفار، بل ينتقل الى قبيلة أسلم فيوقد فيها مصابيحه..!! وتتابع الأيام رحلتها في موكب الزمن، ويهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة، ويستقر بها والمسلمون معه. وذات يوم تستقبل مشارفها صفوفا طويلة من المشاة والركبان، أثارت أقدامهم النقع.. ولولا تكبيراتهم الصادعة، لحبسهم الرائي جيشا مغيرا من جيوش الشرك.. اقترب الموكب اللجب.. ودخل المدينة.. ويمم وجهه شطر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومقامه.. لقد كان الموكب قبيلتي غفار وأسلم، جاء بهما ابو ذر مسلمين جميعا رجالا ونساءا. شيوخا وشبابا، وأطفالا..!! وكان من حق الرسول عليه الصلاة والسلام أن يزداد عجبا ودهشة.. فبالأمس البعيد عجب كثيرا حين رأى أمامه رجلا واحدا من غفار يعلن اسلامه وايمانه، وقال معبّرا عن دهشته: "ان الله يهدي من يشاء"..!! أما اليوم فان قبيلة غفار بأجمعها تجيئه مسلمة..وقد قطعت في الاسلام بضع سنين منذ هداها الله على يد أبي ذر، وتجيء معها قبيلة أسلم.. ان عمالقة السطور وحلفاء الشيطان، قد أصبحوا عمالقة في الخير وحلفاء للحق. أليس الله يهدي من يشاء حقا..؟؟ لقد ألقى الرسول عليه الصلاة والسلام على وجوههم الطيبة نظرات تفيض غبطة وحنانا وودا.. ونظر الى قبيلة غفار وقال:"غفار غفر الله لها".ثم الى قبيلة أسلم فقال:"وأسلم سالمها الله".. وأبو ذر هذا الداعية الرائع.. القوي الشكيمة، العزيز المنال.. ألا يختصه الرسول عليه الصلاة والسلام بتحية..؟؟ أجل.. ولسوف يكون جزاؤه موفورا، وتحيته مباركة..ولسوف يحمل صدره، ويحمل تاريخه، أرفع الأوسمة وأكثرها جلالا وعزة..ولسوف تفنى القرون والأجيال، والناس يرددون رأي الرسول صلى الله عليه وسلم في أبي ذر: ما أقلّت الغبراء، ولا أظلّت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر"..!! أصدق لهجة في أبي ذر..؟ لقد قرأ الرسول عليه الصلاة والسلام مستقبل صاحبه، ولخص حياته كلها في هذه الكلمات.. فالصدق الجسور، هو جوهر حياة أبي ذر كلها.. صدق باطنه، وصدق ظاهره.. صدق عقيدته وصدق لهجته.. ولسوف يحيا صادقا.. لا يغالط نفسه، ولا يغالط غيره، ولا يسمح لأحد أن يغالطه.. ولئن يكون صدقه فضيلة خرساء.. فالصدق الصامت ليس صدقا عند أبي ذر.. انما الصدق جهر وعلن.. جهر بالحق وتحد للباطل..تأييد للصواب ودحض للخطأ.. الصدق ولاء رشيد للحق، وتعبير جريء عنه، وسير حثيث معه.. ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم ببصيرته الثاقبة عبر الغيب القصيّ والمجهول البعيد كل المتاعب التي سيفيئها على أبي ذر صدقه وصلابته، فكان يأمره دائما أن يجعل الأناة والصبر نهجه وسبيله. وألقى الرسول يوما هذا السؤال: " يا أبا ذر كيف أنت اذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء"..؟ فأجاب قائلا: "اذن والذي بعثك بالحق، لأضربن بسيفي".!! فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: "أفلا أدلك على خير من ذلك..؟ اصبر حتى تلقاني". ترى لماذا سأله الرسول هذا السؤال بالذات..؟؟ الأمراء.. والمال..؟؟ تلك قضية أبي ذر التي سيهبها حياته، وتلك مشكلته مع المجتمع ومع المستقبل.. ولقد عرفها رسول الله فألقى عليه السؤال، ليزوده هذه النصيحة الثمينة:"اصبر حتى تلقاني".. ولسوف يحفظ أبو ذروصية معلمه، فلن يحمل السيف الذي توّعد به الأمراء الذين يثرون من مال الأمة.. ولكنه أيضا لن يسكت عنهم لحظة من نهار.. أجل اذا كان الرسول قد نهاه عن حمل السيف في وجوههم، فانه لا ينهاه عن أن يحمل في الحق لسانه البتار.. ولسوف يفعل.. ومضى عهد الرسول، ومن بعده عصر أبي بكر، وعصر عمر في تفوق كامل على مغريات الحياة ودواعي الفتنة فيها..حتى تلك النفوس المشتهية الراغبة، لم تكن تجد لرغباتها سبيلا ولا منفذا. وأيامئذ، لم تكن ثمة انحرافات يرفع أبو ذر ضدها صوته ويفلحها بكلماته اللاهبة... ولقد طال عهد أمير المؤمنين عمر، فارضا على ولاة المسلمين وأمرائهم وأغنيائهم في كل مكان من الأرض، زهدا وتقشفا، ودعلا يكاد يكون فوق طاقة البشر..ان واليا من ولاته في العراق، أو في الشام، أ، في صنعاء.. أو في أي من البلاد النائية البعيدة، لايكاد يصل اليها نوعا من الحلوى، لا يجد عامة الناس قدرة على شرائه، حتى يكون الخبر قد وصل الى عمر بعد أيام. وحتى تكون أوامره الصارمة قد ذهبت لتستدعي ذلك الوالي الى المدينة ليلقى حسابه العسير..!! ليهنأ أبو ذر اذن.. وليهنأ أكثر ما دام الفاروق العظيم أميرا للمؤمنين.. وما دام لا يضايق أبا ذر في حياته شيء مثلما يضايقع استغلال السلطة، واحتكارالثروة، فان ابن الخطاب بمراقبته الصارمة للسلطة، وتوزيعه العادل للثروة سيتيح له الطمأنينة والرضا.. وهكذا تفرغ لعبادة ربه، وللجهاد في سبيله.. غير لائذ بالصمت اذا رأى مخالفة هنا، أو هناك.. وقلما كان يرى..بيد أن أعظم، وأعدل، وأروع حكام البشرية قاطبة يرحل عن الدنيا ذات يوم، تاركا وراءه فراغا هائلا، ومحدثا رحيله من ردود الفعل ما لا مفرّ منه ولا طاقة للناس به. وتستمر الفتوح في مدّها، ويعلو معها مد الرغبات والتطلع الى مناعم الحياة وترفها.. ويرى أبو ذر الخطر..ان ألوية المجد الشخصي توشك أن تفتن الذين كل دورهم في الحياة أن يرفعوا راية الله..ان الدنيا بزخرفها وغرورها الضاري، توشك أن تفتن الذين كل رسالتهم أن يجعلوا منها مزرعة للأعمال الصالحات..ان المال الذي جعله الله خادما مطيعا للانسان، يوشك أن يتحوّل الى سيّد مستبد..ومع من؟ مع أصحاب محمد الذي مات ودرعه مرهونة، في حين كانت أكوام الفيء والغنائم عند قدميه..!! ان خيرات الأرض التي ذرأها الله للناس جميعا.. وجعل حقهم فيها متكافئا توشك أن اصير حكرا ومزية..ان السلطة التي هي مسؤولية ترتعد من هول حساب الله عليها أفئدة الأبرار، تتحول الى سبيل للسيطرة، وللثراء، وللترف المدمر الوبيل.. رأى أبو ذر كل هذا فلم يبحث عن واجبه ولا عن مسؤوليته.. بل راح يمد يمينه الى سيفه.. وهز به الهواء فمزقه، ونهض قائما يواجه المجتمع بسيفه الذي لم تعرف له كبوة.. لكن سرعان ما رنّ في فؤاده صدى الوصية التي أوصاه بها الرسول، فأعاد السيف الى غمده، فما ينبغي أن يرفعه في وجه مسلم..(وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ)ليس دوره اليوم أن يقتل.. بل أن يعترض.. وليس السيف أداة التغيير والتقويم، بل الكلمة الصادقة، الأمينة المستبسلة.. الكلمة العادلة التي لا تضل طريقها، ولا ترهب عواقبها.لقد أخبر الرسول يوما وعلى ملأ من أصحابه، أن الأرض لم تقلّ، وأن السماء لم تظلّ أصدق لهجةمن أبي ذر.. ومن كان يملك هذا القدر من صدق اللهجة، وصدق الاقتناع، فما حاجته الى السيف..؟ ان كلمة واحدة يقولها، لأمضى من ملء الأرض سيوفا.. فليخرج بصدقه هذا، الى الأمراء.. الى الأغنياء. الى جميع الذين أصبحوا يشكلون بركونهم الى الدنيا خطرا على الدين الذي جاء هاديا، لا جابيا.. ونبوة لا ملكا،.. ورحمة لا عذابا.. وتواضعا لا استعلاء.. وتكافؤ لا تمايز.. وقناعة لا جشعا.. وكفاية لا ترفا.. واتئادا في أخذ الحياة، لا فتونا بها ولا تهالكا عليها..فليخرج الى هؤلاء جميعا، حتى يحكم الله بينهم وبينه بالحق، وهو خير الحاكمين. وخرج أبو ذر الى معاقل السلطة والثروة، يغزوها بمعارضته معقلا معقلا.. وأصبح في أيام معدودات الراية التي التفت حولها الجماهير والكادحون.. حتى في الأقطار النائية التي لم يره أهلها بعد.. طاره اليها ذكره. وأصبح لا يمر بأرض، بل ولا يبلغ اسمه قوما الا أثار تسؤلات هامّة تهدد مصالح ذوي الشلطة والثراء.ولو أراد هذا الثائر الجليل أن يتخذ لنفسه ولحركته علما خاصا لما كان الشعار المنقوش على العلم سوى مكواة تتوهج حمرة ولهبا، فقد جعل نشيده وهتافه الذي يردده في كل مكان وزمان.. ويردده الانس عنه كأنه نشيد.. هذه الكلمات: "بشّر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة"..!! لا يصعد جبلا، ولا ينزل سهلا، ولا يدخل مدينة، ولا يواجه أميرا الا وهذه الكلمات على لسانه. ولم يعد الانس يبصرونه قادما الا استقبلوه بهذه الكلمات:" بشّر الكانزين بمكاو من نار".. لقد صارت هذه العبارة علما على رسالته التي نذر حياته لها، حين رأى الثروات تتركز وتحتكر.. وحين رأى السلطة استعلاء واستغلال.. وحين رأى حب الدنيا يطغى ويوشك أن يطمر كل ما صنعته سنوات الرسالة العظمى من جمال وورع، وتفان واخلاص.. لقد بدأ بأكثر تلك المعاقل سيطرة ورهبة.. هناك في الشام حيث "معاوية بن أبي سفيان" يحكم أرضا من أكثر بلاد الاسلام خصوبة وخيرا وفيضا، وانه ليعطي الأموال ويوزعها بغير حساب، يتألف بها الناس الذين لهم حظ ومكانة، ويؤمن بها مستقبله الذي كان يرنو اليه طموحه البعيد. هناك الضياع والقصور والثروات تفتن الباقية من حملة الدعوة، فليدرك أبو ذر الخطر قبل أن يحيق ويدمّر..وحسر زعيم المعارضة رداءه المتواضع عن ساقيه، وسابق الريح الى الشام ولم يكد الناس العاديون يسمعون بمقدمه حتى استقبلوه في حماسة وشوق، والتفوا حوله أينما ذهب وسار.. [/center]
  6. ان الحمد لله ، نحمده و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور انفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله صل الله عليه و على آله و أصحابه و من تبعهم بإحسان الى يوم الديـــن ، أما بعد ... أهـــلا بكـم أحبائنا زوار و رواد و اعضاء منتدى السنة النبوية الشريفة ... [b]كبّروا يا إخوة و هلّلوا حيثما كنتم أحيوا السنة إنّها أفضل أيام الدنيا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب الوصابي حفظه الله : ((وبعض الناس يخجل إذا كبّر . يا سبحان الله ! المُغنية تُغني وما تخجل ،، وأنت إذا ذكرت الله تخجل؟!![/b] [b]صيغ التكبير: قال ابن القيم في الهدي: ويُذكر عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كان يُكبِّر من صلاة الفجر يومَ عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق فيقول: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ، والله أكْبَرُ الله أكبر ولِلَّهِ الحَمْدُ، وهذا وإن كان لا يصح إسناده، فالعمل عليه، ولفظه هكذا يشفع التكبير، وأما كونه ثلاثاً، فإنما رُوى عن جابر وابن عباس مِن فعلهما ثلاثاً فقط، وكِلاهما حسن. قال الشافعي: إن زاد فقال: الله أكبرُ كبيراً، والحمدُ للَّه كثيراًَ، وسُبْحانَ اللهِ بُكرةً وأصيلاً، لا إلهَ إلا اللهُ، ولا نعبدُ إلا إيَّاه، مخلصين له الدِّينَ ولو كره الكافرون، لا إله إلا اللهُ وحدَهُ، صدَقَ وعده، ونصرَ عبدَه، وهزم الأحزابَ وحده، لا إله إلا الله واللهُ أكبرُـ كان حسناً. وقال الصنعاني في سبل السلام: وَفِي الشَّرْحِ صِفَاتٌ كَثِيرَةٌ وَاسْتِحْسَانَاتٌ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى التَّوْسِعَةِ فِي الْأَمْرِ، وَإِطْلَاقُ الْآيَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ. انتهى. وقال الحافظ في الفتح: وأما صيغة التكبير فأصح ما ورد فيه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال: كبروا الله: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا. ونقل عن سعيد بن جبير ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى ـ وهو قول الشافعي ـ وزاد ولله الحمد. وقيل: يكبر ثلاثا ويزيد لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلخ. وقيل: يكبر ثنتين بعدهما: لا إله الا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، جاء ذلك عن عمر وعن ابن مسعود نحوه وبه قال أحمد وإسحاق. وقد أحدث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها.[/b]
  7. [b][b][b][b][b][/b][/b][/b][/b][/b] السلام عليكم و رحمة الله و بركاته الحمد لله ، نحمده و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور انفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و على آله و أصحابه و من تبعهم بإحسان الى يوم الديـــن و سلم تسليما كثيرا ، أما بعد ... من الجوانب المشرقة في السيرة النبوية العطرة، أنها تعرض تفاصيل حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليستفيد المسلمون من دروسها وعبرها، وينعموا بآدابها وأحكامها، ومن ذلك قصة زواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأم سلمة ـ رضي الله عنها ـ .. حيث اشتمل هذا الزواج بأم سلمة ـ وغيرها من أمهات المؤمنين ـ بالعديد من الحِكم والعظات، التي تزيد في إيمان المسلم بعظمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورفعة شأنه وكمال أخلاقه .. و أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة ، بنت عم خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ، وهي من المهاجرات الأول . وكانت قد تزوجت بأبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي ابن عمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأخوه من الرضاعة، وكانت قد ابتليت مع زوجها ابتلاء شديدا عند الهجرة، وجُرح زوجها أبو سلمة في غزوة أحد، وخرج بعدها بسنتين في سرية، ولما عاد منها في جمادى الآخرة من السنة الرابعة للهجرة اشتد عليه جرحه ومات . فلما توفي ـ رضي الله عنه ـ جاءت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ( يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات، قال: قولي: اللهم اغفر لي وله وأعقبني(عوضني) منه عُقبى حسنة، قالت: فقلت فأعقبني الله من هو خير لي منه محمدا - صلى الله عليه وسلم - )( مسلم ) .. قال عمر بن أبي سلمة ـ رضي الله عنه ـ : إن أم سلمة لما انقضت عدتها خطبها أبو بكر فردته، ثم خطبها عمر فردته، فبعث إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ فقالت: مرحباً، أخبر رسول الله أني غيرى(شديدة الغيرة)، وأني مُصبية (ذات أولاد صغار)، وليس أحد من أوليائي شاهد . فبعث إليها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( أما قولك: إني مصبية، فإن الله سيكفيك صبيانك، وأما قولك: إني غيرى فسأدعو الله أن يذهب غيرتك، وأما الأولياء فليس أحد منهم إلا سيرضى بي .. )( أحمد ) وكانت أم سلمة قد ولدت طفلة من زوجها أبي سلمة بعد موته، فعندما تزوجها - صلى الله عليه وسلم - جعل يأتيها، فإذا جاء أخذت زينب فوضعتها في حجرها لترضعها، وكان - صلى الله عليه وسلم - حيياً كريماً يستحي فيرجع، ففعل ذلك مرارا، ففطن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - وهو أخ لأم سلمة ، فأطلق قدميه نحو بيت أخته أم سلمة ، فأخذ ابنة أخته ليسترضعها في بيته أو عند أحد النساء، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( أين زناب ؟ فقالت قريبة ابن أبي أمية - ووافقها عندها - أخذها عمار بن ياسر . فقال - صلى الله عليه وسلم - : إني آتيكم الليلة.. ) ( أحمد ) .. وكانت لفتة حانية، وتكريما رفيعا من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن تزوج أم سلمة - رضي الله عنها -، فقد أصبحت بعد وفاة زوجها - المجاهد أبي سلمة - من غير زوج يعيلها، أو أحد يكفلها، رغم ما بذلت هي وزوجها من جهد لهذه الدعوة المباركة، وهي مع ذلك كان لها من الأيتام أربعة، فكان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الزوج لها والكفيل لأبنائها . لم يكن زواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أم سلمة لأجل التمتع المباح، وإنما كان لظروفها وفضلها، ودينها وعقلها الذي يعرفه المتأمل بجودة رأيها يوم الحديبية، فقد روى الإمام أحمد بسنده من طريق المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم - رضي الله عنهما - قصة صلح الحديبية في حديث طويل، ذكر فيه أنه لما تم الصلح بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ومشركي قريش قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( يا أيها الناس انحروا واحلقوا )، قال: فما قام أحد، قال: ثم عاد بمثلها، فما قام رجل حتى عاد بمثلها، فما قام رجل، فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل على أم سلمة فقال: ( يا أم سلمة ما شأن الناس؟ قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنساناً، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره، واحلق فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون ويحلقون ) . فكان رأي أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ رأياً موفقا ومشورة مباركة، قال ابن حجر : " وإشارتها على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم الحديبية تدلُّ على وفور عقلها وصواب رأيها " .. ثم إن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ من بني مخزوم أعز بطون قريش، وهي التي كانت تحمل لواء الحراب والمواجهة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووراء هذا الزواج نوع تألف لهذه القبيلة، وتقريب لقلوب أبنائها، وتحبب إليهم ليدخلوا في الإسلام بعد أن صاروا أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقد نالت أم سلمة حظّاً وافراً من أنوار النبوة وعلومها، حتى غدت ممن يُشار إليها بالبنان فقها وعلماً، بل كان الصحابة يفدون إليها ويستفتونها في العديد من المسائل، ويحتكمون إليها عند الاختلاف، ومن ذلك أن أبا هريرة وابن عباس اختلفا في عدة المتوفى عنها زوجها إذا وضعت حملها، فبعثوا إلى أم سلمة فقضت بصحة رأي أبي هريرة ـ رضي الله عنهم ـ .. وبلغ ما روته من أحاديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما ذكر الذهبي ثلاثمائة وثمانية وسبعين حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة عشر، وانفرد البخاري بثلاثة، و مسلم بثلاثة عشر حديثا . وقد ظهرت في زواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ حِكم كثيرة من حِكم تعدد زوجاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، إضافة إلى ما سبق منها: الحكمة التعليمية، فقد كانت معظم مروياتها عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الأحكام والعبادات، وستر العورة، والجنائز، وحجاب المرأة، كما روت في المغازي وغير ذلك .. وهو جزء من الحِكم التشريعية والإنسانية والتعليمية التي اشتمل عليها تعدد زوجاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، إضافة إلى ما يتعلق بمصلحة الدعوة وتبليغ الرسالة، فقد حرص في بعضها على توثيق الرابطة بين الإسلام وبعض القبائل، كما حدث عندما تزوج بجويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق، الذي كان من آثاره إسلام جميع قبيلتها، وكزواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ، و صفية بنت حيي بن أخطب .. وهدف في بعضها الآخر تكريم أرامل الشهداء الذين ماتوا في الحبشة، أو استشهدوا من أجل الدعوة في سبيل الله، وتركوا أرامل لا يقدرون على تحمل أثقال الحياة وأعبائها الجمة، مثل أم سلمة ـ التي نحن بصدد الحديث عنها ـ، و زينب بنت خزيمة ، و سودة بنت زمعة . وكان في بعضها الآخر زواجا تشريعيا كزواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من زينب بنت جحش وذلك لهدم نظام التبني الذي كان موجودا عند العرب . ومنها توثيق أواصر الترابط بينه وبين صاحبيه الجليلين أبى بكر وعمر ، وتكريمهما بشرف المصاهرة به، وذلك ظاهر في زواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر ـ رضي الله عنهم ـ . وثمة أمر آخر هام وهو أن الإسلام ـ الذي هو خاتم الأديان ـ بحاجة إلى من يبلغ أحكامه الشرعية الخاصة بالنساء وهي كثيرة، وزوجة واحدة لا تستطيع القيام بهذا العبء وحدها، فالأمر أكبر من ذلك بكثير . وقد ذكر رواة السنة أن نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ روين أكثر من ثلاثة آلاف حديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، كان لعائشة ـ رضي الله عنها ـ النصيب الأكبر فيها، فقد روت ألفين ومائتين وعشر .. ثم تلتها أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ حيث روت ثلاثمائة وثمانية وسبعين حديثا، وتتابع الباقي يروين ما بين خمسة وستين مثل أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ، وستين كحفصة بنت عمر ، وستة وأربعين كميمونة بنت الحارث ، وأحد عشر كزينب بنت جحش ، وغير ذلك، رضي الله عنهن جميعا .. ومن ثم فقد ساهمت أمهات المؤمنين ـ رضوان الله عليهن ـ مساهمة فعالة في نقل السنة النبوية - وهي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله - إلى الأمة الإسلامية .. وقد تُوُفِّيَتْ أم المؤمنين أم سلمة - رضي الله عنها - في ولاية يزيد بن معاوية سنة إحدى وستين للهجرة، بعد أن بلغها مقتل الحسين ـ رضي الله عنه ـ فحزنت عليه حزنا كبيراً، وكانت قد تجاوزت الرابعة والثمانين من عمرها، فكانت آخر زوجات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ موتاً، فرضي الله عنها، وعن جميع أمهات المؤمنين ..
  8. [b][b][b][b][b][/b][/b][/b][/b][/b] السلام عليكم و رحمة الله و بركاته الحمد لله ، نحمده و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور انفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و على آله و أصحابه و من تبعهم بإحسان الى يوم الديـــن و سلم تسليما كثيرا ، أما بعد ... عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "أتى عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا ألعب مع الغلمان، فسلّم علينا فبعثني إلى حاجة فأبطأت على أمي، فلما جئتُ قالت: ما حبسك؟، قلت: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحاجة، قالت: ما حاجته؟، قلت: إنها سر!!، قالت: لا تخبرنّ بسر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحدا، قال أنس : والله لو حدثتُ به أحداً لحدثتك به يا ثابت " متفق عليه واللفظ لمسلم . وفي رواية البخاري : " أسرّ إليّ النبي -صلى الله عليه و سلم- سِرّاً، فما أخبرت به أحدا بعده، ولقد سألتني أم سليم رضي الله عنها -أمّه- فما أخبرتها به". معاني المفردات فبعثني إلى حاجةٍ: أرسلني لتنفيذ أمرٍ من الأمور. أبطأت على أمّي: تأخّرت عنها طويلاً. ما حبسك: ما الذي أخّرك. تفاصيل الموقف ها هي ذي أيّام الغلام الصغير أنس بن مالك تنساب كالماء الرقراق في الأودية الخصيبة، وكالنسمة الباردة التي تهبّ تحت ظلال الأشجار، منذ أن تغيّرت حياته بقدوم النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، فقد عهدت به والدته الغميصاء بنت ملحان رضي الله عنها إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام قائلة: "يا رسول الله هذا أنيس ابني، أتيتك به يخدمك". ومنذ ذلك اليوم بدأت مسؤوليّة أنس رضي الله عنه في خدمة النبي –صلى الله عليه وسلم- ومرافقته في حلّه وترحاله، فكان رضي الله عنه لا يألو جُهداً في تلبية رغباته وتنفيذ أوامره، فنال ما لم ينلْهُ غيره من أقرانه في تلقّي الهدي النبوي والعيش في كنف رسول الله وتحت رعايته. ويروي لنا أنيس -كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يناديه تدليلاً- يوماً من أيّام سعده وهنائه، حيث فرغ من أداء واجباته ذلك اليوم، فانسلّ من بيت النبوّة ليلعب مع الغلمان في أزقّة المدينة ونواحيها، فهو وإن كان خادماً للنبي –صلى الله عليه وسلم- إلا أنه يظلّ في سنّ الصبا وريعانه، وما يعنيه ذلك من الحاجة إلى اللهو البرئ. وبينما هو منهمكٌ في اللعب إذ قدم عليه النبي –صلى الله عليه وسلم- فألقى عليهم التحيّة، ثم أشار إليه إشارةً خفيّةً ليتنحّى به جانباً، ويُسرّ إليه بمهمّةٍ خاصّة. ولا ريب أن النبي –صلى الله عليه وسلم- ما اصطفى أنساً لهذه المهمّة الخاصّة دون غيره من أقرانه، إلا لما رآه فيه من المؤهّلات والصفات التي تؤهّله لهذه المهمّة. ولم يكد الأمر النبوي يطرق سمع أنس رضي الله عنه حتى هبّ واقفاً وانطلق من فوره يستقصي حاجة النبي -صلى الله عليه وسلم- ويسعى في تنفيذها، فأخذت منه وقتاً ليس باليسير حتى أنجزها على أتمّ وجه. على أن أمّه رضي الله عنها أحسّت بتأخّر وليدها أنس إذ لم تعهد ذلك منه، وما إن رأته يدخل عليها حتى بادرته سائلةً: "ما حبسك؟"، فنظر إليها أنس وقال لها: "بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحاجة"، ولم يزد على ذلك حرفاً!. أرادت الأم أن تستفصل أكثر، فعاودت السؤال: "ما حاجته؟"، فردّ عليها أنس بأدبٍ خالجه شيءٌ من الاعتذار: "إنها سر!!"، كلماتٌ قليلةٌ تدلّ على نضج شخصيّة هذا الغلام النبيه، فلقد أدرك على صغر سنّه أنّه ما كان له أن يكشف عن سرّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ولو كان لأقرب الناس إليه. أكبرتْ الأم هذا الموقف السامي من غلامها، فأرادت أن تعزّزه في نفسه وتوطّده في مسيرته، ليظلّ وفاؤه مبدأً راسخاً لا يمكن أن يتنازل عنه مهما كانت المغريات، فقالت مؤكّدة: "لا تخبرنّ بسر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحداً". وبهذا ينتهي الموقف، ويمضي الزمن، ويتنقّل أنس رضي الله عنه من مرحلة عمريّة إلى ما فوقها، حتى جاوز المائة عام، ولم يزلّ سرّ النبي –صلى الله عليه وسلم – محفوظاً، ولم يزل هذا الموقف أحد مفاخره رضي الله عنه التي عبّر عنها بقوله: "والله لو حدثتُ به أحداً لحدثتك به يا ثابت " . إضاءات حول الموقف لو وضعنا هذا الموقف تحت مجهر التأمّل والاعتبار، لخرجنا منه بفوائد عديدة تصلح كلّ واحدة منها لبحثٍ مستقلّ، وحسبنا أن نشير إليها إشارةً عابرة كي يستفيد منها القارئ، فنقول: من فوائد الموقف، التنبيه على حاجة الأطفال إلى اللعب والترفيه، لتحقيق التنشئة الاجتماعيّة المتوازنة، والقيام بارتقاء النفس واكتساب المهارات الشخصيّة والقدرة على التواصل مع الآخرين ، ولذلك نجد علماء النفس والاجتماع يؤكّدون على أهمّية اللعب للناشئة ودوره في التربية، بل قاموا بإدخاله في المخطّطات والبرامج التعليمية. ورسول الله –صلى الله عليه وسلّم قد سبقهم في ذلك كلّه فأقرّ لعب الأطفال في أكثر من موضع من سيرته. ومن فوائد الموقف: حرص النبي –صلى الله عليه وسلم- على معاملة الأطفال بمنطق المسؤوليّة والتوجيه ليصنع منهم رجالاً، ويجعلهم ذخيرةً للأمّة في مستقبلها، نلمح ذلك من خلال قيامه عليه الصلاة والسلام بإلقاء السلام على الصغار، وهذا السلام وإن كان الهدف منه نشر قيمة السلام في المجتمع، إلا أنّه يحمل في طيّاته الرغبة في تعويد الصغار على الاستماع إليه ليعتادوه، ثم يطبّقوه مع غيرهم، كما يهدف إلى إزالة الحواجز الخفيّة التي تمنعهم من التعامل الإيجابي مع الأكبر منهم سنّاً، ليكونوا أقوياء على الحق، وتنشأ لديهم القوة النفسية التي تحمل صاحبها على معالي الأمور والبعد عن سفاسفها، وهذا هو عين السبب الذي جعل النبي –صلى الله عليه وسلم- يستحفظ سرّه عند غلامه أنس رضي الله عنه وهو بمثل هذه السنّ. وفي سؤال الأم لابنها حول أسباب تأخّره، لفتةٌ مهمّة إلى دور الأسرة في تفقّد أولادها ومتابعتهم الدقيقة، بحيث يلحظون ما يطرأ عليهم من تغيّر في السلوك خصوصاً مع كثرة المؤثّرات خارج النطاق الأسري، ومثل هذه الرقابة الدقيقة وغير المباشرة تسهم في اجتثاث أي انحراف طارئ، ومن ثمّ تداركه قبل أن يستفحل خطره ويعظم أمره. ويعظم موقف الأمّ عندما لم تلحّ على ابنها في السؤال، في حين أن كثيراً من نساء المسلمين ُيكثرن من سؤال أولادهنّ في الأمور التي تتعلّق بالآخرين وخصوصيّاتهم، ما يعود بالأثر السيئ على الطفل وسلوكه، فينشأ فضوليّاً غير قادرٍ على كتمان الأسرار. ومما يستوقفنا من الحوار بين أنس رضي الله عنه وأمه، قوله عنها : " فأبطأت على أمي"، إنّه تأنيب الضمير على تأخّره وما يعكسه من اهتمامه بأمرها، بحيث كان قلقه نابعاً من داخله وبقناعة تامّة منه. ثم تبقى الإشارة إلى بيان أهمّية كتمان السرّ وحرمة إفشائه وتضييعه، وقد جاءت بذلك جملةٌ من النصوص الشرعيّة، كقول الله تعالى في محكم التنزيل: { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا } (الإسراء:34)، وقول النبي –صلى الله عليه وسلم – : ( إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها) رواه مسلم ، وقوله: (إذا حدث رجل رجلا بحديث ثم التفت فهو أمانة) رواه الترمذي ، وقوله: ( لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) رواه أحمد .
  9. [b][b][b][b][b][/b][/b][/b][/b][/b] السلام عليكم و رحمة الله و بركاته الحمد لله ، نحمده و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور انفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و على آله و أصحابه و من تبعهم بإحسان الى يوم الديـــن و سلم تسليما كثيرا ، أما بعد ... إن نعم الله تعالى على عباده كثيرة لا تحصى، وأعظم نعمة أنعم الله بها على الثقلين ـ الجن والإنس ـ أن بعث فيهم عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، محمداً - صلى الله عليه وسلم - ليخرجهم به من الظلمات إلى النور، ويرشدهم إلى سبيل النجاة والسعادة، وقد نوّه الله بهذه النعمة العظيمة في كتابه العزيز فقال: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } (آل عمران:164 ) .ولما كانت نعمة الله تعالى على المؤمنين بإرسال رسوله - صلى الله عليه وسلم - إليهم عظيمة، أمرهم الله تعالى في كتابه العزيز أن يصلوا عليه ويسلموا تسليما، بعد أن أخبرهم أنه وملائكتَه يصلون عليه، فقال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } (الأحزاب:56). ذكر ابن كثير في تفسيره: " أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا .." . وقال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ : " يصلون: يُبرِّكون، أي يدعون له بالبركة ". وقال البخاري : قال أبو العالية : "صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء" . والصلاة والسلام على الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أفضل القربات، وأجل الأعمال .. أما كيفية الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - فقد بيّنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه حين سألوه عن ذلك، وقد وردت هذه الكيفية من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - . عن كعب بن عجرة ـ رضي الله عنه ـ قال: ( قيل يا رسول الله، أمّا السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟، قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) ( البخاري ) . وعن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال: ( أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في مجلس سعد بن عبادة ، فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟، قال: فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم ) ( مسلم ). وهذه (الكيفية) التي علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه إياها عندما سألوه عن كيفية الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - هي أفضل كيفيات الصلاة عليه .. وممن استدل بتفضيل الكيفية التي أجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بها، الحافظ ابن حجر في فتح الباري، فقد قال: " واستدل بتعليمه - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه الكيفية بعد سؤالهم عنها بأنها أفضل كيفيات الصلاة عليه، لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف والأفضل .." . وقد درج السلف الصالح، ومنهم المحدِّثون بذكر الصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - عند ذكره بصيغتين مختصرتين: إحداهما: ( صلى الله عليه وسلم )، والثانية: ( عليه الصلاة والسلام ). وقال النووي في كتاب الأذكار: " إذا صلى أحدكم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فليجمع بين الصلاة والتسليم، ولا يقتصر على أحدهما، فلا يقل: (صلى الله عليه) فقط، ولا (عليه السلام) فقط ". أما فضائل وثمرات الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد ذكر ابن القيم في كتابه( جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ) فضائل وثمرات كثيرة للصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، منها : امتثال أمر الله تعالى، وسبب للحصول على الحسنات ورفع الدرجات ومحو السيئات، وشفاعته يوم القيامة لمن يصلي عليه، وأنها سبب لقرب المسلم من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم القيامة، وأنها سبب لصلاة الله والملائكة على المسلم، وسبب استجابة الدعاء، وسبب لمغفرة الذنوب وجلاء الهموم، وسبب لطيب المجلس، وأنها تنفي عن قائلها صفة البخل، وسبب لدوام محبة قائلها للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأنها متضمنة لِذْكر الله وشكره، ومعرفة نعمه على عباده بإرساله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهداية الناس .. صلاة بصلوات عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا ) ( مسلم )، وعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( منْ ذُكِرتُ عنده فليصل عليَّ، ومن صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ) ( النسائي )، وعن عامر بن ربيعة ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: ( ما من عبد يصلي عليَّ إلا صلت عليه الملائكة ما دام يصلي علي، فليُقِل العبد من ذلك أو ليكثر ) ( أحمد ). رفع للدرجات وحط للسيئات عن أبي طلحة ـ رضي الله عنه ـ قال: ( أصبح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوما طيب النفس يرى في وجهه البشر. قالوا يا رسول الله: أصبحت اليوم طيب النفس يرى في وجهك البشر. قال: أجل، أتاني آت من عند ربي عز وجل، فقال : من صلى عليك من أمتك صلاة، كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات ورد عليه مثلها ) ( أحمد ). مغفرة للذنوب وكفاية الهموم عن أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ قال: ( كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه . قال أُبَي : قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي(دعائي)؟ فقال: ما شئت . قال: قلت: الربع؟، قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك . قلت: النصف قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك . قال: قلت: فالثلثين؟، قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك . قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟، قال: إذا تُكفى همك ويغفر لك ذنبك ) ( الترمذي ). وذلك لأن الصلاة عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشتملة على ذكر الله تعالى، وتعظيمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والاشتغال بأداء حقه عن أداء مقاصد نفسه، وإيثاره ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالدعاء والصلاة عليه، ومن ثم كانت النتيجة أن تُكْفى ما أهمك من أمور دنياك وآخرتك .. سبب لنيل شفاعة الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة فى الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ) ( مسلم ) . عرض اسم المصلي على الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن عمار بن ياسر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( إن لله تعالى ملكا أعطاه سمع العباد، فليس من أحد يصلي علي إلا أبلغنيها، وإني سألت ربي أن لا يصلي عليَّ عبد صلاة إلا صلى عليه عشر أمثالها ) ( الطبراني ). وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ : ( إن لله عز و جل ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام ) ( أحمد ). انتفاء صفة البخل عن الذي يصلى على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الحسين بن علي ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( البخيل منْ ذُكِرْتُ عنده ثم لم يصل عليَّ ) ( أحمد ) . طُهرة من لغو المجالس عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ( ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم تِرة( نقص وحسرة)، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم ) ( الترمذي ) . الصلاة على النبي من أسباب إجابة الدعاء عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال :" كل دعاء محجوب حتى يُصلى على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " ( الطبراني ) .. صلاتك على الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ دليل إلى الجنة عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من نسي الصلاة عليَّ خطئ طريق الجنة ) ( ابن ماجه ) .. هذا بعض ما ورد من أحاديث صحيحة في فضل الصلاة على الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ.. يقول ابن حجر : ".. وفي الباب أحاديث كثيرة ضعيفة وواهية، وأما ما وضعه القصاص في ذلك فلا يحصى كثرة، وفي الأحاديث القوية غنية عن ذلك " .. ولا شك أن ما جاءت به السنة، وفعله الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان، هو الطريق المستقيم، والمنهج القويم، والفائدة للآخذ به محققة والمضرة عنه منتفية، وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )( البخاري ). وقال - صلى الله عليه وسلم -: ( عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ) ( أحمد ) . ولذا فإن على المسلم أن يحذر من بعض الكتب في الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتي اشتملت على الغث والسمين، والأحاديث الموضوعة والضعيفة، وفيها مجاوزة للحق والسنة، ووقوع في المحذور الذي لا يرضاه الله ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن من نهج الصحابة، وهم أشد وأصدق الناس حبا لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .. وقد حذر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمته من الغلو فيه، فقال: ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله )( البخاري ) . والإطراء : مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه .. وقد ذكر أهل العلم أوقاتا وأحوالا يُستحبُ عندها أن نصلي على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منها: عند الصباح والمساء، وقبل الدعاء، وعقب دعاء القنوت، وعند ختام المجلس، وعند دخول المسجد والخروج منه، وعند الصفا والمروة في الحج والعمرة، وفي تشهد الصلاة، وفي صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية، ويوم الجمعة، وفي الخطب: كخطبة الجمعة، والعيدين، والاستسقاء، وغيرها، وعند ذكره وسماع اسمه، أو كتابته، وبعد الأذان، ويوم الجمعة .. إن الصلاة على الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أعظم القربات والطاعات، كما أنها علامة من علامات محبة المسلم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . فعلينا أن نكثر من الصلاة والتسليم عليه في كل وقت وحين، وأن نوقره بالإجلال والإكرام، ونقدم قوله وطاعته على طاعة كل أحد، وأن نخضع لهديه ونقتدي به في جميع حركاته وسكناته ..
  10. *[url=http://]لقد جرىٰ كثيرٌ من المؤلفين ولا سيما في العصر الحاضر على اختلاف مذاهبهم [/url] [url=http://]واختصاصاتهم علىٰ رواية الحديث المنسوبة إِلىٰ النَّبي – صَلَّىٰ اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ – دون أَنْ يُنبِّهوا علىٰ الضعيفة منها ، جهلاً منهم بالسُّنة ، أَو رغبةً أَو كسلًا منهم عن الرجوع إِلىٰ كتب المتخصِّصين فيها ، وبعض هٰؤلاء - أَعني المتخصصين - يتساهلون في ذٰلك في أَحاديث فضائل الأَعمال خاصة ! [/url] [url=http://]قال أَبو شامة (1) : [/url] [url=http://](( وهٰذا عند المحققين من أَهل الحديث وعند علماء الأُصول والفقه خطأ ، بل ينبغي أَنْ يُبَيَّنَ أَمْرُه إِنْ عُلِم ، وإِلا دخل تحت الوعيد في قوله – صَلَّىٰ اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ – : « مَنْ حدَّثَ عنِّي بحديثٍ يُرىٰ أًنَّه كذِبٌ فهو أَحد الكاذبَيْن » ، رواه مسلم )) . [/url] [url=http://]هٰذا حُكْمُ من سَكَتَ عن الأَحاديث الضعيفة في الفضائل ! فكيف إِذا كانت في الأَحكام ونحوها[/url] [url=http://]واعلم أَنَّ مَن يفعل ذٰلك فهو أَحدُ رجلين : [/url] [url=http://]1 - إِمَّا أَنْ يعرف ضعف تلك الأَحاديث ولا يُنبِّه علىٰ ضعفها ، فهو غاشٌّ للمسلمين ، وداخلٌ حتمًا في الوعيد المذكور . قال ابن حبَّان في كتابه « الضعفاء » ( 1 / 7 - 8 ) : " في هٰذا الخبر دليلٌ علىٰ أَنَّ المُحدِّث إِذا روىٰ ما لم يَصِحَّ عن النَّبي – صَلَّىٰ اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ – مما تُقُوِّلَ عليه وهو يعلم ذٰلك يكون كأَحد الكاذبَيْن ؛ علىٰ أَنَّ ظاهر الخبر ما هو أَشدُّ قال – صَلَّىٰ اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ – : « من روىٰ عني حديثًا وهو يرىٰ أَنَّهُ كذِب . . . » [/url] [url=http://]- ولم يقل : إِنَّه تَيَقَّن أَنَّهُ كذب - فكل شاكٌ فيما يروي أَنَّه صحيح أَو غير صحيح داخل في ظاهر خطاب هٰذا الخبر " . [/url] [url=http://]ونقله ابن عبد الهادي في « الصارم المنكي » ( ص : 165 - 166 ) ، وأَقره . [/url] [url=http://]2 - وإِمَّا أَنْ لا يعرف ضعفها فهو آثم أَيضًا لإِقدامه علىٰ نسبتها إِليه – صَلَّىٰ اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ – دون علم ؛ وقد قال – صَلَّىٰ اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ – « كفىٰ بالمرءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بكل ما سمع » (2) ، فله حظٌّ من إِثم الكاذب علىٰ رسول الله – صَلَّىٰ اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ – ؛ لأَنَّهُ قد أَشار – صَلَّىٰ اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ – أَنَّ من حّدَّثَ بكل ما سمعه - ومثله من كتبه - أَنَّهُ واقعٌ في الكذب عليه – صَلَّىٰ اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ – لا محالة ؛ فكان بسبب ذٰلك أَحد الكاذِبَين .[/url] [url=http://]الأَوَّل : الَّذي افتراه ، والآخر : هٰذا الَّذي نشره ! [/url] [url=http://]قال ابن حبان أَيضًا ( 1 / 9 ) : [/url] [url=http://]" في هٰذا الخبر زَجْرٌ للمرءِ أَنْ يُحدِّث بكل ما سمع حتَّىٰ يعلم علم اليقين صحَّته " . [/url] [url=http://]وقد صرَّح النووي بأَنَّ من لا يعرف ضعف الحديث لا يحلُّ له أَنْ يهجم علىٰ الاحتجاج به من غير بحثٍ عليه بالتفتيش عنه إِنْ كان عارفًا ، أَو بسؤال أَهل العلم إِنْ لم يكن عارفًا (3) . [/url] [url=http://]وراجع " التمهيد " في مقدمة " الضعيفة " ( ص : 10 - 12 ) . [/url] **************************************************** [url=http://](1) في « الباعث علىٰ إِنكار البدع والحوادث » ( ص : 54 ) [/url] [url=http://](2) رواه مسلم ( رقم : 5 ) في مقدمة " صحيحة " ، وهو مخرج في " الصحيحة " ( 205 ) . [/url] [url=http://](3) راجع " قواعد التحديث " . [/url] [url=http://]([ تمام المنَّة في التَّعليق علىٰ فقه السُّنة / للإِمام المجدد : محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله تعالىٰ - / ص : 32 – 34 / ط : دار الراية 1419 هـ ]) [/url]
  11. [rtl]افرحن أيتها المتزوجات :)[/rtl] [rtl]عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دِينَارٌ أَنْفَقْته فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَدِينَارٌ أَنْفَقْته فِي رَقَبَةٍ, وَدِينَارٌ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ, وَدِينَارٌ أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك, أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك". (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي في الجهاد والحج وطلب العلم، (وَدِينَارٌ أَنْفَقْته فِي رَقَبَةٍ) أي أعتقتها، (وَدِينَارٌ أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك) أي على زوجتك وعيالك، قيل: لأنه فرض، وقيل: لأنه صدقة وصِلَة. أخرجه أحمد (2/473 ، رقم 10123) ، ومسلم (2/692 ، رقم 995).[/rtl]
  12. [b][b][b][b][/b][/b][/b][/b] السلام عليكم و رحمة الله و بركاته الحمد لله ، نحمده و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور انفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و على آله و أصحابه و من تبعهم بإحسان الى يوم الديـــن و سلم تسليما كثيرا ، أما بعد ... أجرى الله ـ تبارك وتعالى ـ على يدي أنبيائه ورسله من المعجزات والدلائل الباهرات ما يدل على صدق دعواهم، فلا يبقى لأحد عذر في عدم تصديقهم وطاعتهم، قال الله تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ } (الحديد: من الآية25) .. وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكثر الرسل معجزة، وأظهرهم آية، فله من المعجزات التي وقعت وتكررت في أماكن مختلفة وأحداث متعددة ما لا يُحد ولا يُعد، منها ما حدث في غزوة الأحزاب(الخندق)، من تكثير الطعام والشراب القليل، حتى أكل ألف رجل من شاة صغيرة وصاع شعير.. فعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: ( لما حُفِر الخندق رأيت بالنبي – صلى الله عليه وسلم – خَمْصا(جوعا) شديدا، فانكفأت (رجعت) إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟، فإني رأيت برسول الله – صلى الله عليه وسلم - خمصا شديدا، فأخرجت إلي جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن (شاة في البيت) فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي وقطعتها في بُرْمتها، ثم وليت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقالت: لا تفضحني برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - وبمن معه . فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا، وطحنا صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك، فصاح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال: يا أهل الخندق! إن جابراً قد صنع لكم سؤرا(بقية طعام) فَحَيْهلا بكم، وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لا تُنْزِلَنَّ بُرْمَتكُم (قِدْركم)، ولا تخبزن عجينتكم حتى أجيء، فجئت وجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَقْدم الناس حتى جئت امرأتي، فقالت: بك وبك (أي ذمَّته)، فقلت: قد فعلت الذي قلتِ لي.. فأخرجت له عجينتنا فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك، ثم قال: ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي (اغرفي) من برمتكم ولا تنزلوها، وهم ألف.. فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا (شبعوا وانصرفوا) وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو ) ( البخاري ) .. فأكل ألف رجل من طعام قليل ـ شاة وصاع من شعير ـ وبقي منه الكثير .. وفي حادثة أخرى تقول ابنة بشير بن سعد : ( دعتني أمي عمرة بنت رواحة ، فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت: أي بُنيَّة، اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما، قالت: فأخذتها فانطلقت بها، فمررت برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنا التمس أبي وخالي، فقال: تعالي يا بنية ما هذا معك؟، فقلت يا رسول الله: هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه، قال: هاتيه، قالت: فصببته في كفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط له ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلمَّ إلى الغداء، فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق وإنه ليسقط من أطراف الثوب.. ) ( البيهقي ).. هذه المعجزة التي أيد الله بها نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، كان لها دور كبير وأثر عظيم، في نفوس الصحابة والمسلمين من بعدهم، في زيادة إيمانهم، ومعرفتهم قدر نبيهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ .. وفي أثناء حفر الخندق شكا الصحابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم – صخرة لم يستطيعوا كسرها، فجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم – وأخذ الفأس وقال: ( بسم الله، فضرب ضربة كسر منها ثلث الحجر، وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله، وضرب ثانيةً فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله، وضرب ضربة كسرت بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا ) ( أحمد ).. وقد تحققت هذه البشارات التي أخبرت عن اتساع الفتوحات الإسلامية على يد المسلمين في عصور الخلافة، رغم أن هذه البشارات قالها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وقت كان المسلمون فيه محاصرين في المدينة، يواجهون المشاق والخوف والجوع والبرد الشديد.. وذلك من معجزاته ودلائل نبوته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ... إن التاريخ يمتلئ برجال ادَّعوا معرفة الغيب والقدرة على التنبؤ بالمستقبل، والقليل من هؤلاء استطاع أن يصيب في بعض ما قاله دون مراعاةٍ للدقة في التفاصيل، أما أن يوجد في البشرية من يُخبر بعشرات من الأمور المستقبلية بأوصافٍ شاملة ودقّة مذهلة، بحيث يشهد الواقع على صحة كل ما تنبّأ به دون أخطاء، فذلك أمرٌ لا سبيل إلى معرفته أو الوصول إليه إلا بوحي من الله عز وجل، وهو ما جعل إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم – عن الأحداث والوقائع التي كانت في حياته وبعد مماته وجهاً من وجوه الإعجاز. ومن هذه الدلائل والمعجزات للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في يوم الأحزاب: استجابة الله لدعائه على المشركين، ونزول الملائكة . فعــن عبد الله بن أبي أوفى ـ رضي الله عنه ـ قال: دعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم الأحزاب على المشركين، فقال: ( اللهم منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم ) ( البخاري ). وعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: ( قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقوله؟ فقد بلغت القلوبُ الحناجر. قال: نعم، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا . قال: فضرب الله عز وجل وجوه أعدائه بالريح .. ) ( أحمد ) .. فاستجاب الله عز وجل لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأرسل الريح، فقلعت الخيام، وكفأت القدور، وأطفأت النيران، وأطارت الحجارة، وزلزلت النفوس، وأوقعت الرعب في قلوب المشركين، ونزلت الملائكة الكرام لنصرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } (الأحزاب:9) .. ومن جملة الدلائل التي ظهرت في غزوة الأحزاب: إخبار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بانقلاب الميزان في معاركهم مع قريش، فالمسلمون هم الذين سيغزون قريشاً بعد تلك الوقعة، وليس العكس، ولن تغزوهم قريش بعد ذلك.. فعن سليمان بن صُرَد ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: حين أُجلِي الأحزاب عنه ـ: ( الآن نغزوهم، ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم )( البخاري ) . وقد تحقّق ما أخبر به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، حيث غزاهم بعد ذلك مرتين، الأولى: التي كانت نتيجتها صلح الحُدَيْبِيَة، والثانية: غزوة الفتح التي كانت نتيجتها فتح مكة. . إن الدلائل والمعجزات التي حدثت للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في يوم الأحزاب متنوعة وكثيرة .. منها ما يدخل في علم الغيب المستقبلي، وإخباره عن أمور تحقق بعضها في زمانه، والآخر تحقق بعد وفاته، ومنها ما كان تكثيراً للقليل، ومنها ما كان من إعانة الله للمسلمين بجنود من عنده .. لقد كانت الدلائل والمعجزات التي أجراها الله تعالى على يد رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غزوة الأحزاب وغيرها من أحداث وقعت في حياته، سببا في تثبيت صحابته على دينهم، وتيقنهم بصدق نبيهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وتفانيهم في اتباعه وخدمته والدفاع عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والدلالة على علو مكانته عند ربه، وكذلك بيان مكانة هذه الأمة، ورفعة منزلتها لإيمانها واتباعها لهذا النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ..
  13. [b]العلاقة بين أسباب نزول القرآن وأسباب ورود الحديث [/b] لقد تجلى لنا الآن مدى أهمية معرفة أسباب نزول القرآن وأسباب ورود الحديث في فَهم المعاني للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وما يتفرع على ذلك من استنباط الأحكام المتعلقة بهما.والقرآن والسنة يحتاج كل منهما للآخر لمعرفة الأحكام الشرعية.قال البيهقي: «ومعنى احتياج القرآن إلى السنة أنها مبينة له ومفصلة لمجملاته؛ لأن فيه لوَجَازته كنوزًا تحتاج إلى من يعرف خفايا خباياها فيبررها، وذلك هو المنزل عليه ?، وهو معنى كون السنة قاضية عليه، وليس القرآن مبينًا للسنة ولا قاضيًاعليها»(1).قال السيوطي: «فعُرف من هذا وجوب احتياج الناظر في القرآن إلى معرفة أسباب نزوله، وأسباب النزول إنما تؤخذ من الأحاديث، والله أعلم»(2).وقال الواحدي: «لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرّواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسبابوبحثوا عن علمها.»(3)نخلص مما سبق من الأقوال إلى أمور:1- هناك علاقة وثيقة بين معرفة أسباب نزول القرآن وأسباب ورود الأحاديث بين فهم المعنى الصحيح والوقوف عليه.2- كلّ من أسباب ورود الحديث وأسباب نزول القرآن يعتمد على الرواية.3- مدار الحكم على الرواية التي في أسباب ورود الحديث وأسباب نزول القرآن يكون على طريقة أهل الحديث دون غيرهم.4- كلّ ما صحّ من أسباب نزول القرآن وأسباب ورود الحديث يكون حكمه الرفع وإن لم يُنص على ذلك.ارتباط أسباب ورود الأحاديث بأسباب نزول القرآن:والمقصود بذلك أن تنزل آية لقصة وقعت في عهد النبي ?، ويرد الحديث النبوي في القصة نفسها، أو بمعنى آخر أن يكون سبب نزول الآية وسبب ورود الحديث واحد.ومثال على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ يَتَهَافَتُ قَمْلًا فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ» قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ «فَاحْلِقْ رَأْسَكَ» قَالَ فَفِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ?فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ? فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةِ أَوْ انْسُكْ مَا تَيَسَّرَ«صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوْ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ»(4)فهذا الحديث يصلح أن يذكر في أسباب نزول القرآن على أنه سبب نزول قوله تعالى: ?فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ?، ويصلح أن يذكر في أسباب ورود الحديث على أنه سبب ورود حديث: « صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوْ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ» في ذكر فدية المحرم إذا حلق رأسه للأذى. (1) «مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة» (ص 44). (2) «مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة» (ص 46). (3) - الواحدي في أسباب النزول (ص- 4) (4) - متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب قول الله تعالى: ?فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ?، رقم (1814)، باب قول الله تعالى: ?أَوْ صَدَقَةٍ? وهي إطعام ستة مساكين، رقم (1815)، باب الإطعام في الفدية نصف صاع، رقم (1816)، باب النسك شاة، رقم (1818)، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم (4159)، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ?فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ?، رقم (4517)، كتاب الطب، باب الحلق من الأذى، رقم (5703)، كتاب كفارات الأيمان، باب قول الله تعالى: ?فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ?، رقم (6708)، مسلم: كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، رقم (1201).
  14. [b]العلاقة بين أسباب نزول القرآن وأسباب ورود الحديث[/b] لمعرفة العلاقة بين أسباب نزول القرآن وأسباب ورود الحديث لا بد من تعريفهما أولا.وقد سبق التعريف بأسباب الورود في الأحاديث فكان لزامًا تعريف أسباب النزول في القرآن؛ لبيان تلك العلاقة.[b]تعريف سبب النزول في القرآن:[/b]هو ذكر كل ما يتصل في سبب نزول الآية أو الآيات مخبرة عنه أو مبينة لحكمه في زمان وقوعه، ويكون إما حادثة وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم في زمانه أو سؤال ورد إليه صلى الله عليه وسلم، وتكون الآية مبينة لتلك الحادثة أو رادة على السؤال الموجه أو نحو ذلك.والمراد بزمان وقوعه: الظروف التي ينزل القرآن يتحدث فيها عن السبب، سواء كان ذلك النزول عقبه مباشرة أو تراخى زمانه لحكمة يعلمها الشارع؛ احترازًا عن الآيات التي نزلت ابتداء من غير سبب تتحدث عن وقائع ماضية أو مستقبلة كقصص الأنبياء ويوم القيامة والساعة وغير ذلك.[b]فوائد معرفة أسباب النزول القرآن:[/b]عن إبراهيم التيمى قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى ابن عباس فقال: كيف تختلف هذه الأمة وكتابها واحد ونبيها واحد وقبلتها واحدة؟! فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه وعَلِمناه فيما نزل، وإنهسيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يعرفون فيما نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا(1).قال السيوطي في مقدمة كتابه «لباب النقول»:«لمعرفة أسباب النزول فوائد، وأخطأ من قال: لا فائدة له؛ لجريانه مجرى التاريخ، ومن فوائده الوقوف على المعنى، أو إزالة الإشكال»(2).[b]أقسام الآيات من حيث أسباب النزول:[/b]1- قسم نزل ابتداء من غير ارتباط بسبب وهو كثير ظاهر.2- قسم نزل مرتبطًا بسبب من الأسباب.[b]ذكر بعض الأمثلة على أسباب نزول القرآن:[/b]1- عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كنت في غزاةٍ فسمعت عبد الله بن أبيٍّ يقول: لا تنفقوا على من عندرسول الله حتى ينفضُّوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فذكرت ذلك لعمِّي أو لعمر فذكره للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فدعاني فحدَّثته، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبيٍّ وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فكذَّبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدَّقه، فأصابني همٌّ لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذَّبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك، فأنزل الله تعالى: ?إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ?، فبعث إليَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقرأ فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ»(3).2- عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوفٍ طعامًا فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منَّاوحضرت الصَّلاة فقدَّموني فقرأت: قل يا أيُّها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، قال فأنزل الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ?(4).- وهذا حديث صحيح جامع لعدد من أسباب النزول:عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:«نزلت فيّ آياتٌ من القرآن:قال: حلفت أمُّ سعدٍ ألا تكلِّمه أبدًا حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب قالت: زَعَمْتَ أن الله وصَّاك بوالديك وأناأمُّك وأنا آمرك بهذا، قال: مَكَثَتْ ثلاثًا حتى غُشي عليها من الجهد، فقام ابنٌ لها يُقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعدٍ، فأنزل الله تعالى في القرآن هذه الآية: ?وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي? وفيها ?وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا?.قال: وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمةً عظيمةً فإذا فيها سيفٌ فأخذته فأتيت به الرسولصلى الله عليه وسلم فقلت: نفِّلني هذا السيف فأنا من قد علمت حاله، فقال: «رُدَّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ»، فانطلقتحتى إذا أردت أن ألقيَه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه. قال: فشدَّ لي صوته «رُدَّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ». قال: فأنزل الله تعالى: ?يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ?.قال: ومرضتُ فأرسلت إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأتاني، فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت. قال: فأبى. قلت: فالنصف؟ قال: فأبى. قلت: فالثلث؟ قال: فسكت، فكان بعد الثلث جائزًا.قال: وأتيت على نفرٍ من الأنصار والمهاجرين فقالوا: تعال نطعمك ونسقك خمرًا- وذلك قبل أن تحرم الخمر قال: فأتيتهم في حشٍّ- والحشُّ البستان- فإذا رأس جزورٍ مشويٌّ عندهم وزقٌّ من خمرٍ، قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خيرٌ من الأنصار، قال: فأخذ رجلٌ أحد لحيي الرّأس فضربني به فجرح بأنفي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأنزل الله تعالى فيَّ- يعني نفسه- شأن الخمر: ?إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ?(5)» (1) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (42- التفسير)، «فضائل القرآن» لأبي عبيد (76)، البيهقي في «شعب الإيمان» (2283). (2) «لباب النقول في أسباب النزول» (ص 3). (3) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب «تفسير القرآن» باب «قوله: ?إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ...?» حديث (4900)، باب «?اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً? يجتنبون بها» حديث (4901)، باب «قوله: ?ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ?» حديث (4092- 4903)، باب «قوله: ?وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ?» حديث (4904)، باب «قوله: ?سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ?» حديث (4905)، مسلم: كتاب «صفات المنافقين وأحكامهم» حديث (2772). (4) أخرجه أبو داود: كتاب «الأشربة» باب «في تحريم الخمر» حديث (3671)، الترمذي: كتاب «تفسير القرآن» باب «ومن سورة النساء» حديث (3026) قال الترمذي: «حديث حسن غريب صحيح». (5) أخرجه مسلم: كتاب «فضائل الصحابة» باب «في فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه» حديث (1748).
  15. الحمد لله الذي أحلّ الطيبات وحرّم الخبائث ، أحمده وأشكره ، وأثني عليه وأستغفره ، وأشهَد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسوله ، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِه وسلّم تسليمًا كثيرًا . أما بعد .. فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدى نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار . ثم أما بـــــــــعد: [b][b]فهذا جواب فضيلة الوالد العلامة حامل اللواء، و قامع أهل البدع و الأهواء، و المجاهد بحقٍ الإمام ربيع بن هادي – حفظه الله و رعاه – لسؤالٍ تفضَّل به بعضُ إخوة العيون حيَّاهم الله، ونظراً لأهمية هذا السؤال لكونه مازال يُطرح من بعض السلفيين إيراداً، و يطرحُهُ الملبِّسون من أهل البدع و الفتن شُبهةً و تلبيساً على الشباب السلفي، فأحببت أن يُصاحب قلبي و قلمي صوت الشيخ ربيع – بارك الله فيه – و انتفع و إخوتي بهذه الإجابة ، وهذا التأصيل ، وهذا التفصيل ، نفعني الله و إياكم بهذه العبارات ، و بارك لنا في شيخنا الفاضل العلامة المجاهد و في علمه و عمله. و إلـــــــــيكم السؤال و الجواب- بارك الله فيكم - السؤال الأول: يقول بعضهم : إنَّ الردَّ على أهل البدع ، و هجرهم ، و الحكم عليهم ، خاصٌ بأهل العلم ، و أنَّ طلبة العلم لا حق لهم في ذلك ، فما مدى صحة هذا الإدعاء ؟ جزاكم الله خيراً الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله و صحبه و مَن واتبع هداه، لا شك أننا نأملُ أن يكون في الأمَّةِ علماء، راسخين في العلم، مخلصين لله، صادقين في دعوتهم إلى الله، و صادقين في مواقفهم مِن أعداء الإسلام عموما، ومن المؤمنين عموماً ، ومِن أهل البدع أيضاً، نسألُ الله أن يُنشئ في الأمة هذا الصنف الطيب المبارك المخلص لله تبارك و تعالى، و أن يُنشئ شباباً يحترمون أهل العلم ، و يعرفون لهم قدرهم و منزلتهم التي بوَّأهم الله تبارك و تعالى إياها ، [b]و لا خير في شباب لا يحترمون العلماء ، و لا يُوَّقرون الكبار، فإذا رأيت شباباً يستهتر و يستخفُ بالعلماء ، و يحتقرهم و يزدريهم كما حصل في هذا العصر على أيدي السفهاء مِن قادةِ الأحزابِ المنحرفة ، مِن قادةِ الجهل و الشَّر، إذ غرسوا في نفوسِ كثيرٍ من الشباب القدح في العلماء، و احتقار العلماء، فنسألُ الله تبارك و تعالى أن يُطهَّرَ الأرضَ من أصناف دعاةِ السوء ، الذين وضعوا الحواجز و السدود ، و شوَّهوا العلماء في نظر الشباب ، أسألُ الله أن يهديهم أو يُريح الأمة منهم. و لا شك أنَّ العالم يتميزُ بالإدراك و بالحكمة و بما ينفع و بما يضر أكثر مِن الشباب، هذا شئٌ لابد مِن إدراكه و التسليم به ، ولكن هناك الشباب يتفاوتون ، في العلمِ و الذكاءِ و الإدراكِ ، قد يُشاركون العلماءَ في شئ كثيرٍ أو قليلٍ مِن هذا ، فلا نَجعلُ طلابناً عند الشباب كالصُّمّ البّكم الذين لا يعقلون ، و لا نريد أن نجعلَ منهم دُمىً لا يتحركون إلاَّ بتحريك مَن أراد تحريكهم ، لا نريد هذا و لا ذاك ، نريد احترام العلماء و تقديرهم و معرفة حقَّهم ، و نريد أيضاً مِن الشباب أن يكونَ شباباً ذكياً مُدركاً ، و قد لا يجد العالم الذي يقرر متى يُهجر و متى لا يُهجر، فماذا يصنع ، لاسيما و قد خلت ساحات كثيرة الآن ساحات كثيرة الآن مِن العلماء الراسخين في كثيرٍ من مشارق الأرض و مغاربها فماذا يفعل الشباب الذين أدركوا جانباً عظيماً من الإسلام و من منهج السلف الصالح ، فالشباب الذي يعيش في أوروبا و في أمريكا و يعيش في كثير من البلدان الإسلامية التي قد ساد فيها الجهل و خلت من علماء السُّنة الأفذاذ و امتلأت و اكتظت بالجهلة من أدعياء العلم من قادة الشَّر من زعماء التصوف و الرفض ، أيرجع الشاب السلفي إلى علماء الروافض و إلى علماء الصوفية في تقرير قضايا الهجران و قضايا عدم الهجران ، قد يحتاج الطالب – إذا كانت البدع واضحة له – بل لطلاب العلم إذا كانت البدع من الأمور الواضحة التي لا تخفى على كثيرٍ من المسلمين يشترك في إدراكها ومعالجتها العالم و غيرُ العالم ، يشتركون في ذلك ، فإذا مثلاً رأى مَن يشرب الخمر، رأى مَن يترك الصلاة ، يقول والله أنا لا أتكلم في هذا الأمر، في نقد مَن يترك الصلاة ، وتحذير مَن يشرب الخمر ،لا أتكلم في هذا الباب حتى أرجع إلى فـلان أستشيره فيه) هــذا كلام سخيف ،كنتم خير أمَّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر، فمن عرف المعروف و العلم يتجزأ ، فقد يعلم الإنسان مسألة و يعلم مسألتين و الاجتهاد كما يقال يتجزأ، قد لا يكون الإنسان مجتهداً، و لكن قد يكون مجتهداً في بعض المسائل، فالشاهد أنَّ الطالب لا يكون حجَرَةً صماء – أعوذ بالله – و يتصف بالبلاهة و الغباء ، ما يكون بهذه الدرجة التي يُريدها مَن يقذفُون بهذه الشُّبه ، فإنهم قد أقضَّ مضاجعهم أن ينشأ شبابٌ سلفي يترسم خُطى السلف الصالح يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، فنحن ننصح الشباب أن لا يتكلموا في قضايا البدع و في قضايا الخلاف إلا بعلمٍ ، فإذا عرف الشاب البدعة و اتضحت له – و كثيرٌ منها واضحٌ و الحمد لله – فعليه -لا أقــول- له عليه أن يأمرَ بالمعروف و ينهى عن المنكر، لأنَّ الله ربُّ العالمين كلَّفه بذلك ، كلَّف هذه الأمَّة جميعاً و أنتم تعلمون أنَّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مِن الفروض المحتمةِ على هذه الأمَّة، و إذا وُجِدّ المنكر بقي وجوب تغييره متعلقاً بأفراد الأمَّة كلها، و لا يسقط عنها الا بإنكاره و تغييره ، فإذا قام بعضٌ مِن هذه الأمَّة بإنكاره و تغييره سقط الحرج عن الباقين، و إذا سكتوا و لم يغيروا أثموا جميعاً و وقفوا أمام مسئولية الله تبارك و تعالى في هذه الدنيا، فقد يُنزلُ بهم العقوبات المهلكة في هذه الحياة الدنيا و قد يُعاقبهم في الآخرة بما فرَّطُوا و بما قصَّروا و بما أهملوا في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، والشاهد من هذا الكلام أنهُ أنَّ العلماءهم مرجع طلاب العلم و لابد من احترامهم و تقديرهم ، و مع ذلك نجعل أنفسنا كما قال الله تبارك و تعالى ( اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون الله ) لا نصل إلى هذه الدرجة، بل نحترم العلماءعلى غرار تعامل السلف الصالح مع علماءهم ، و مع ذلك كلٌ منا مسئول أمام الله تبارك و تعالى ، فقد يكون المنكر في بيتك فهل تذهب تأتي بعالم يُغيره ، زوجتك ترتكب منكراً تروح اتجيبلها تأتي لها بعالم يعلمها أو أنت تُعلِّمها و توجِّهها، الرجال قوَّامون على النساء ، و قد يفعل ذلك ابنك و قد يفعل ذلك أخوك و قد يفعل ذلك أُسرتك ، و قد تكون لا تٌريد أن تُطْلع غيرك على هذا الشَّر و على هذا البلاء فأنت تُعالجه، فــهذا القول إطلاقهُ على عواهنه و انه ( لا يقرر في - قضايا البدع و الهجران و ما شاكل ذلك – الا العلماء) هذا كلام لا يُراد من وراءه – لاسيما إذا صدر من أهل الأهواء – لا يُراد به الا مقاومة الشباب السلفي و الطعن فيهم و تشويههم و إيقاف نشاطهم في تبليغ دعوة الله ، وفي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، على كلِّ حال، السلف كان لهم مواقف كثيرة جداً و لهم تحذيرٌ كثيرٌ و كثيرٌ اكتظت به كتب السُّنة و العقيدة و التوحيد، اكتظت بذلك هذه الكتب ،فمن يقول انه لا يقرر في هذه القضايا الا العلماء ، و لا يقرر الهجران و عدم الهجران الا العلماء فقط و فقط هــذا لم يعرف منهج السلف ، لم يعرف منهج السلف ، بارك الله فيكم، فلابد من معرفة منهج السلف في التعامل مع أهل البدع ، و كلٌ مكلف حسب علمه ، و بحسب قدرته و طاقته ، فإذا كنتَ عامياً لا تُميّز بين السُّنة و البدعة تعلم وأسأل العلماء فاسلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ، و إن كنتَ طالب علمٍ تُميّز بين الحق و بين الباطل ، وتُدرك كثيراً من البدع ، و تُدرك كثيراً من السنن ، فادعوا الناس إلى ما عرفته من السُنن ، و حذِّرهم عما تعرفُهُ من البدع ، ثمَّ بعد ذلك ، قد يُدرك كثيرٌ من الشباب المصلحة في الهجران وعدم المصلحة ، ثُمَّ إني أقول : إنَّ هــذه المصلحة التي يتحدثون عنها ، و أسرفوا في الحديث عنها، و حرَّفوا المصالح – بارك الله فيكم – و لبَّسُوا فيها ، حتى جعلوا حتى أهملوا مصلحة الشاب الذي يُخاف عليه من مخالطة أهل البدع ، أهملوا مصلحته و قذفوا به في أوساط أهل البدع فضلَّ كثيرٌ من الشباب المغرور المخدوع بمثل هذه الشبهات ، أوقعوا كثيراً ممن كان في دائرة السلفية أوقعُوهم بمثل هذه التُّرهات في حبائل و مصائد أهل البدع فانحرف الكثير و الكثير منهم لاسيما من انحرف بواسطة الأحزاب العصرية الضَّالة التي سبق وصفها ، على كل حال من يُميز بين السُّنة و البدعة فليأمرْ بالمعروف و ينهَ عن المنكر و ليُحذِّرْ هذا أولاً ، و ثانياً قضية الهجران ، إن كان الهجران في صالحك فاهجر لأنَّك تخاف على نفسك من مخالطة أهل البدع ، فقد يُفسدوك، فقد يُفسدونك و يحرِّفونك عن منهج الله الحق ، فالمصلحة الواضحة هنا أن تحتَفظ بدينك و تحتفظ بعقيدتك ، و تُحافظ على سلامة دينِك ، هذه المصلحة يجـب أن تُوضع في الاعتبار و أن يعرفها الشباب ، فقد كان يُراعيها كبار الأئمة من أمثال أيوب و ابن سيرين فكان أحدهم لا يُطيق مخالطة أهل البدع و لا سماع كلامهم ، حتى إنَّ أهل البدع ليأتونَهم و يقولون لهم اسمعوا مِنَّا و لو كلمة، فيقولون لا ، فيُعتَب عليهم لماذا لا تسمعون ؟ فيقول إنَّ قلبي بيد الله ليس بيدي فإنِّي أخاف أن يقذفَ هذا في قلبي شراً فلا أستطيع الخلاص منه. فإذا قلنا بالمصالح و المفاسد فيجب أن نُراعي المصالح و المفاسد المتعلقة بالشباب أنفسهم و الذين يُخاف عليهم من الاختلاط بأهل البدع أن يُوقعوهم في الشر، فيجب أن ننتبه لهذا، المصالح التي يدندنون حولها ، ولعلها مصالح أهل البدع أنفسهم و مفاسدهم في حدّ تصورهم هم ، فالمصلحة عندهم ما يخدم دعوتهم ، و المفسدة ما يهدم دعوتهم و لو كان حقاً ، فقد يُريدون بالمصالح و المفاسد هذا ، ما يرونه هو مصالح يخدم دعوتهم و ما يرونه من مفاسد – ولو كان حقاً – إذا كان يعود على دعوتهم بالهدم ، و نحن نقول إنَّ المصالح و المفاسد يجب أن يُراعى فيها جانب الشباب ، فهل من مصلحتهم الاختلاط بأهل البدع أو من مصلحتهم الحذر منهم و هجرانهم والابتعاد عنهم ، وترك المخالطة للأقوياء الأشداء الذين ثبتت جدارتهم و قدرتهم على زلزلة أهل البدع و دحض شبهاتهم ، فتبقى المخالطة لهؤلاء و يبقى من يُخاف عليه بعيداً بعيداً بعيداً عنهم حذراً منهم أشد الحذر إذا كان يوازي بدينه ، إذا كان يحترم عقيدته و منهجه ، فالمصلحة في الدرجة الأولى يجب أن يُراعى فيها جانب الشباب الذي يُخاف عليه من الانحراف ، فلما نُسيت هذه المصلحة ، و أنساهم إياها دُعاةُ الضلال و أهدروا هذه المصلحة، جرَّ ذلك كثيراً من الشباب إلى الارتماء في أحضان البدع ، أرجو أن تُدركوا هذا ، فإذا قيل لكم مصالح مفاسد قولوا لهم يجب أن نُراعي في هذا جانب الشباب الذي يُخاف عليه من مخالطة أهل البدع ، فإننا قد استفدنا من تجارب طويلة ومريرة وقعت من شباب كانوا على منهج السلف فضلّوا بمثل هذه الدعايات الظالمة التي لا يُميز فيها المصلحة من المفسدة ، وقد يُراد من المصلحة و المفسدة و المفاسد ما يُفسد دعوتهم أو يُصلحها على حسب ما يعتقدون هم لا على حسب شرع الله سبحانه و تعالى . انتهى جوابه حفظه الله و بارك فيه و أمده بالصحة و العافية و بارك في جهده و جهاده و نفع به ، و حياه الله و أحيا به السُّنة ، و نصَرَهُ و نصَر به الحق ، وأظهَرَه بالحق على عدوه ُ و أظهرَ به منهج السلف الصالح ، و أيده بتوفيقه في حمله لواء الجرح و التعديل إنَّ ربنا سميع قريب .[/b][/b][/b] [b][b][/b][/b]
  16. الجواب عن تعريفات أعداء الإسلام (للسنة) الثاني: أن كلمة السنة قد تخصصت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- بأنها الطريقة – طريقته - صلى الله عليه وسلم- في تبليغ ما أوحي إليه من بيان القرآن بلفظه وأسلوبه (حديثًا) أو بفعله (عملاً) أو بتقريره (إجازةً) وهما في دلالتهما كاللفظ – التي يجب على المسلمين اتباعها، فإن عليهم أن يطيعوه ويستجيبوا له في كل ما يأمرهم به، وينهاهم عنه، ويندبهم إليه، كما قال عز وجل (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [ الحشر /7]، وكما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) [ النساء /59 ]. وآيات القرآن كثيرة في وجوب اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم- فيما أمر به ونهى عنه، والشواهد كثيرة على أن كلمة السنة قد أضيفت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وتخصصت بأنها طريقته، ومن تلك الشواهد قوله في حديث الرهط الثلاثة: (... تلك سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وقوله: (عليكم بسنتي). وإذا جاوزنا عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى عهد الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين لهم بإحسان وجدنا الأمر قد استقر عندهم على أن كلمة السنة تعني طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم- دون سواه، وعلى أنها إذا ذكرت معرفة (بأل) ولم تقيد بشأن فلا تنصرف إلا إلى طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم-. ومن الشواهد التي دلت على ذلك: ما رواه ابن شهاب الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- في قصته مع الحجاج الثقفي بشأن وقت صلاة الجمعة، يقول عبد الله للحجاج: " إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة " أي أَدِّ الصلاة في وقت الهجير الذي يكون عند منتصف النهار"، قال ابن شهاب: " قلت لسالم هل فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، قال سالم: وهل كانوا يعنون بذلك إلا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ". فنقل سالم وهو تابعي جليل ثقة وأحد فقهاء المدينة عن الصحابة أنهم إذا استعملوا كلمة السنة مطلقة لا يريدون بها إلا طريقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- دون سواه، وبهذه الشهادة الصحيحة الواضحة تندفع دعوى هؤلاء الأعداء القائلة بأن كلمة السنة لم تتخصص إلا في نهاية القرن الثالث الهجري. الثالث: أن القول بأن السنة هي السنة العملية المتواترة فقط، قول لا صحة له، بل هو اصطلاح حادث لا يخفى بطلانه، لأنا بينا سابقا أن السنة تشمل أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم-، وأفعاله، وتقريراته، وهذا الذي عليه أهل العلم قديمًا وحديثًا . ولو قصرت السنة على السنة المتواترة العملية لفرط في كثير من الأحاديث القولية التي نقلت عنه - صلى الله عليه وسلم- في جميع جوانب الدين، في الأحكام، والأخلاق، والمواعظ. بل وفرط في السنن العملية التي لم يداوم على فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم-، أو لم يثبت استمراره عليها، كصوم يوم عاشوراء، وصلاة القيام التي صلاها بالناس ثلاث ليال من رمضان فقط، وكالصيغ المختلفة لدعاء الاستفتاح. وإطلاق السنة على الأحاديث القولية ليس اصطلاحا حادثا كما يزعمون، وإنما هو أمر معهود في الصدر الأول. الرابع: أن كلمة السنة كانت في جميع الاستعمالات – كما هو واضح من الأمثلة التي أوردناها – تتخصص بمن تضاف إليه أو بما توصف به، أو بالسياق الذي ترد فيه، فينبغي ملاحظة ذلك في كافة استعمالاتها، سواء في اللغة، أو في القرآن الكريم، أو في الأحاديث والآثار، وإهمال ذلك يؤدي – كما رأينا – إلى خلط كبير. الخامس: أن مصطلح السنة ومصطلح الحديث كانا مترادفين زمن النبوة المباركة، وزمن الصحابة -رضي الله عنهم- وزمن التابعين وتابعيهم -رضي الله عن الجميع-، وعلى ذلك علماء الشرع الحنيف – وقد سبق بيان ذلك – خلافًا لأعداء الإسلام الزاعمين: أن مصطلح السنة غير مصطلح الحديث، وأنهما يجب أن يكونا متميزين عن بعضهما. """"""
  17. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته [rtl]الحمد لله ، نحمده و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله[/rtl] [rtl]من شرور انفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له[/rtl] [rtl]و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا[/rtl] [rtl]عبده و رسوله صلى الله عليه و على آله و أصحابه و من تبعهم[/rtl] بإحسان الى يوم الديـــن و سلم تسليما كثيرا ، أما بعد ... 1- إذا نزل المطر، يُسنُّ أن يحسر الإنسان عن جسده ليصيبه منه؛ لحديث أنس: "أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر، فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقُلنا: لِمَ صنعتَ هذا؟ قال: «لأنَّه حديث عهدٍ بربه»" [رواه مسلم]. 2- أن يقول إذا رأى المطر: "اللهم صَيِّبًا نافعًا"؛ لحديث عائشة عند البخاري: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال: «اللهم صَيِّبًا نافعًا». 3- أن يدعو أثناء المطر؛ لحديث سهل بن سعد مرفوعًا: «ثنتان لا تُردَّان - أو قلَّما تردان -: الدُّعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا»، وفي لفظ: «ووقت المطر» [رواه أبو داود، وحسنه الألباني، انظر: السلسلة الصحيحة (1469)]. 4- أن يقول بعد المطر: "مُطرنا بفضل الله ورحمته"؛ لحديث زيد بن خالد الجهني المتفق عليه وفيه: «وأمَّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب». 5- إذا زادت الأمطار، وخيف من كثرة المياه، يقول: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّرَاب وبطون الأودية ومنابت الشجر"؛ لحديث أنس المتفق عليه في استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يومَ الجمعة، وفيه: "ثم دخل رجل من ذلك الباب في يوم الجمعة المقبلة، ورسول الله قائم يَخطب، فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسولَ الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يُمسكها، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، ثم قال: «اللهم حَوَالَيْنَا، ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّرَاب وبطون الأودية، ومنابت الشجر» [متفق عليه]. حَوَالَيْنَا: قريبًا منا لا على نفس المدينة. ولا علينا: لا على المدينة نفسها التي خاف أهلها من كثرة الأمطار. الآكام: الجبال الصغار. الظِّراب: الروابي الصِّغار، وهي الأماكن المرتفعة من الأرض، وقيل: الجبال المنبسطة، والمعنى: بين الظِّراب والآكام مُتقارب. وبطون الأودية: داخل الأودية، والمقصود بها مجاري الشعاب. منابت الشجر: الأمكنة التي تكون منبتًا للشجر. 6- إذا عصفت الريح، يقول ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: «اللهم إنِّي أسالك خيرَها وخيرَ ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شَرِّها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» [متفق عليه]. هذه السنن الست هي من هدي النبي صلى الله عليه وسلم حين صوارف الشتاء، فيستحب للمسلم أن يُحيِيها في نفسه وفي غيره من الناس، وأمَّا حين الرعد فلم يرد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول شيئًا، والوارد عن عبد الله بن الزبير أنَّه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: "سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته" [رواه مالك والبيهقي، وصححه الألباني في تخريج الكلم الطيب ص88]، وهذا اللفظ هو الموافق للقرآن في قوله تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد: 13].
  18. الحمد لله الذي أحلّ الطيبات وحرّم الخبائث ، أحمده وأشكره ، وأثني عليه وأستغفره ، وأشهَد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسوله ، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِه وسلّم تسليمًا كثيرًا . أما بعد .. فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدى نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار . صفحة تفريغات شرح "أصول السنة" للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله/ شرح الشيخ علي الرملي حفظه الله [الدرس الأول] ملاحظة: التسجيل مبتور في هذا الدرس ومَن عنده إياه تاماً فليرفعه في هذه الصفحة جزاه الله خيرا. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.. فإن العقيدة الإسلامية التي جاءت بها الأنبياء والرسل، عقيدة منزلتها عظيمة في الإسلام ومَن أتقنها وتمسك بها واتبع سبيل المرسلين نجا عند الله سبحانه وتعالى، ومن خالفها فهو على خطر. ولِعظم مكانة العقيدة اهتم علماء الإسلام بها اهتماماً عظيماً فألَّفوا فيها المؤلفات، فمن ذلك كتاب "أصول السنة" للإمام أحمد رحمه الله. ومنه أيضاً "السنة" لعبد الله ابن الإمام أحمد. و"السنة" للخلّال .و"شرح أصول اعتقاد أهل السنة" للالكائي.و"الشريعة" للآجري. و"التوحيد" لابن خزيمة. و"الإيمان" لأبي عبيد وغيرها كتب كثيرة. ومن هذه الكتب ما كتبه أو قاله الإمام أحمد رحمه الله وهي "أصول السنة". والأصول جمع أصل، والأصل ما يبنى عليه غيره . الأصل في اللغة: ما يُبنى عليه غيره، فتقول: أصل البناء أي أساسه الذي يُبنى عليه، أساسه الذي يبنى عليه البناء. هذا معنى الأصل وهو المراد هنا . والمراد بــ "السنة": الشريعة: العقيدة والمنهج. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى : ((أصول السنة عندنا-أي عند أهل السنة والجماعة-التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين)). [الشرح]: أصل الأصول هو اتباع كتاب الله وسنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- على منهج السلف الصالح رضي الله عنهم، ونعني بالسلف: الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان. فهذا الأصل الأصيل هو الذي يبنى عليه دين الله بالكامل، اتباع كتاب الله واتباع سنة النبي-صلى الله عليه وسلم-. قال الله تبارك وتعالى: { أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ }1 ، وقال أيضاً: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }2، وقال: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا }3. فالواجب اتباع كتاب الله وسنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة. وأما اتباع منهج السلف الصالح رضي الله عنهم، فقد قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً }4، فقال في الآية: ويتبع غير سبيل المؤمنين، إذن يجب أن يتبع المرء سبيل النبي-صلى الله عليه وسلم- وسبيل المؤمنين أيضا. وقال جل في علاه: { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ }5، رضي الله عنهم ورضوا عنه، عمَّن؟ عن المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فمن اتبع المهاجرين والأنصار بإحسان فقد رضي الله تبارك وتعالى عنه. وقال -صلى الله عليه وسلم-:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عظوا عليها بالنواجذ". وقال-صلى الله عليه وسلم-:"اقتدوا باللذَيْن من بعدي أبي بكر وعمر". هذه كلها الأدلة تدل على لزوم اتباع منهج السلف الصالح رضي الله عنهم وعدم جواز الخروج عنه، فإن منهج السلف الصالح هو الذي يضبط لك فهمك فلا تشطح في فهمك للكتاب والسنة ولا تفهمهما فهماً خاطئاً إذا التزمت بفهم السلف الصالح رضي الله عنهم والأدلة قد ذكرناها. قال: (التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-) للأدلة التي ذكرناها آنفاً. (والاقتداء بهم أي التأسي بهم، أي تقول بما قالوا، وتفعل بما فعلوا من العبادات والطاعات سواء كان ذلك في العقائد أو في الأمور الفقهية أو في المعاملات والعبادات، فما أجازوه أجزناه وما اعتقدوه اعتقدناه وما قالوه قلناه. قال: (وترك البدع فأصول السنة التمسك بما كان عليه أصحاب النبي-صلى الله عليه وسلم- وترك البدع. أيضاً من أصول السنة ترك البدع. ما هي البدع؟ البدع هي المحدثات في الدين، الأقوال والعقائد والعبادات المتنوعة التي لا أصل لها لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-. هذه تعتبر من المحدثات، فإذا اعتقد الشخص أن القرآن مخلوق فقد ابتدع بدعة لم يأتِ بها أحد من قبله ممن سلف، ومن اعتقد أن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم كذلك قد ابتدع بدعة جديدة، ومن اعتقد كفر مرتكب الكبيرة من المعاصي والذنوب فقد ابتدع بدعة جديدة وأخذ بها . هذه العقائد التي ذكرناها عقائد مبتدعة جديدة، لم تكن لا على عهد السلف رضي الله عنهم ولا جاءت لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بل أدلة القرآن والسنة وما جاء عن السلف رضي الله عنهم يدل على بطلانها وردِّها وكلام السلف في ردها صريح واضح. قال: (وكل بدعة فهي ضلالة). كل بدعة: لفظ عام يشمل جميع البدع، فلا تنقسم البدع إلى حسنة وسيئة، البدعة بدعة، كلها ضلالة وانحراف عن الطريق تضل بك الطريق وتنحرف بك عن جادة الصواب، فهي ضلالة وانحراف عن الحق، كل بدعة فهي ضلالة وهذا أصله ما جاء عن النبي-صلى الله عليه وسلم- في قوله:"كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" أي صاحب الضلالة يكون في النار بسبب ارتكابه للبدعة . (وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء ترك الخصومات وترك المراء والجدال والخصومات في الدين . ذَكَر أمرين: ___ ترك الخصومات. ___ وترك الجلوس . أما الخصومات والمراء والجدال فكلها تؤدي إلى معنى واحد، وهو الجدال والمخاصمة في كتاب الله وفي سنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- مع أهل البدع والضلال، فأنت تقول قولاً وهو يقول قولاً، ثم يبدأ كلٌ منكما بإبطال قول الآخر! هذه الخصومات في الدين وقد كان السلف رضي الله عنهم ينهون عن ذلك. قال عمر ابن عبد العزيز، وهو الأموي الأمير العادل المعروف رحمه الله: (من جعل دينه عُرضة للخصومات أكثر التنقل) ما معنى هذا الكلام؟ يوضحه لنا الإمام مالك رحمه الله، جاءه رجل فقال له: أجادلك في مسألة. فقال له: إن غلبتني؟ قال: اتبعتني. قال: فإن غلبتُك؟ قال: أتبعك. قال: إن جاء ثالث وغلبنا؟ قال: نتبعه. قال: أما أنا فعلى بيِّنة من ديني واذهب أنت إلى شاكٍّ مثلك وجادله6. فالمراد من كلام عمر بن عبد العزيز أنه يجعل دينه عرضة للخصومات وأنه أكثر التنقل إذا فعل ذلك، المراد من ذلك أنه إذا جادل أهل الأهواء والبدع وغلبوه في جداله وكان ضعيفاً والتصقت الشبهة في قلبه انحرف عن الحق واتجه إلى طريقهم وسلك مسلكهم، ثم إذا جاء آخر بعقيدة جديدة وخاصمه أيضاً انحرف معه ومشى. فلذلك الخصومات في الدين والجدال في الدين خطير على المرء وأيضاً فيه تشكيك في دين الله تبارك وتعالى على من لا يفقه مثل هذا. وقد جاء في الحديث أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال:"المراء في القرآن كفر" فلا جدال، وكان أيضاً جاء في الحديث أن النبي-صلى الله عليه وسلم-خرج على قومٍ يتجادلون في القدر، فالبعض يقول قال الله كذا، ويرد عليه الآخر فيقول: قال الله كذا وكذا، فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-مغضباً وقال:" أتضربون كتاب الله بعضه في بعض اقرئوا ما ائتلفتم عليه واجتمعتم" أو كما قال -صلى الله عليه وسلم-7، فالمراء والجدال في دين الله ممنوع عند السلف رضي الله عنهم لما ذكرنا. وجاء أيضاً عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال لرجل عندما قال له عبد الرحمن: بلغني أنك تخاصم في الدين، فقال الرجل: إنا نضع عليهم لنُحاجهم بها ، فقال عبد الرحمن: أتدفع الباطل بالباطل؟ إنما تدفع كلاماً بكلامٍ. فنهاه عن المجادلة والمخاصمة بالكلام. وأما الجلوس مع أصحاب الأهواء. المراد بالأهواء: مأخوذ من الهوى وهو ميل النفس إلى ما تحب، الهوى: ميل النفس إلى ما تحب وهو مذموم كما سيأتي إن شاء الله. وأصحاب الأهواء أي الذين مالوا إلى ما يحبون من عقائد وأفكار. قال: الجلوس إليهم ممنوع. من السنة ترك الجلوس إلى أصحاب الأهواء وذلك لأن أصحاب الأهواء يفسدون على الشخص دينه فقد جاء في الحديث بما معناه أن النبي-صلى الله عليه وسلم-ذكر الدجال وذكر ما معه من الشبهات، قال: من سمع به فلينأى عنه، فليبتعد عنه ولا يقترب منه، فإن الرجل يأتيه وهو يظن أنه قادر عليه ثم ينحرف معه8، فلذلك أصحاب الأهواء لا يجالَسون خشية أن ينحرفوا بك عن دينك وينحرفوا بك عن الصواب. قال أبو قلابة الجرمي وكان أدرك سبعين من أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أحد أئمة التابعين، أدرك سبعين من أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال: لا تجالسوا أصحاب الأهواء -وقال: أصحاب الخصومات- فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ويلبِّسوا عليكم بعض ما تعرفون. فتكون عارفاً للحق راضياً به فيأتي صاحب الضلالة إذا جالسته وألقى إليك الشبهة، وألقى إليك المرض الذي عنده فأنت عندئذ كما قال معمر بن راشد: القلوب ضعيفة والشُّبَه خطّافة تخطف القلب. لذلك نهى السلف رضي الله عنهم عن مثل هذه المجالسة. وجاء رجلٌ إلى محمد ابن سيرين، فقال له: أريد أن أكلمك كلمة. قال: ولا كلمة. قال: أقرأ عليك آية. قال: ولا آية. فقالوا لمحمد بن سيرين بعد أن ذهب الرجل: لِما لم تسمح له أن يكلمك، قال: إني أخاف إن قرأ علي آية أن يغيِّر فيها شيئاً فيقع في قلبي. فمنعه من الكلام معه. وقال ابن طاووس أيضاً عندما جاءه أحد أهل البدع يريد أن يكلمه، وضع أصبعيه في أذنيه وقال لابنه: يا بني ضع أصبعيك في أذنيك واشدد فإن القلوب ضعيفة والشبه خطافة. فما كان السلف رضي الله عنهم يجالسون أصحاب الأهواء وكانوا ينهون عن ذلك لِما ذكرنا. ثم قال المؤلف رحمه الله : ((والسنة عندنا آثار رسول الله-صلى الله عليه وسلم-والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن وليس في السنة قياس ولا تضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء...)) هنا انقطعت المادة [center]1[ النساء/59]. 2 [ النور/63]. 3 [ الحشر/7]. 4 [ النساء/115]. 5 [ التوبة/100]. 6قال مَعْنُ بْنُ عِيسَى: انْصَرَفَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَوْمًا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَهُو مُتَّكِئٌ عَلَى يَدِي فَلَحِقَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ كَانَ يُتَّهَمُ بِالْإِرْجَاءِ , فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ اسْمَعْ مِنِّي شَيْئًا أُكَلِّمُكَ بِهِ وَأُحَاجُّكَ وَأُخْبِرُكَ بِرَأْيِي قَالَ: فَإِنْ غَلَبْتَنِي؟ قَالَ: إِنْ غَلَبْتُكَ اتَّبَعْتَنِي قَالَ: فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ، فَكَلَّمَنَا فَغَلَبَنَا؟ قَالَ: نَتَّبِعُهُ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِينٍ وَاحِدٍ، وَأَرَاكَ تَنْتَقِلُ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ . الشريعة للآجري(1/437)، والإبانة الكبرى لابن بطة(2/507)، وسير السلف للأصبهاني(2/1045). 7 خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتنازعون في القدر هذا ينزع آية وهذا ينزع آية فكأنما سفي في وجهه حب الرمان فقال:" ألهذا خلقتم أم بهذا أمرتم لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض انظروا ما أمرتم به فاتبعوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه .حسنه الشيخ الألباني(ظلال الجنة/406). 8"من سمع بالدجال فلينأ عنه ، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات ، أو لما يبعث به من الشبهات " أخرجه أبو داود في السنن (4319). وصححه الإمام الألباني والإمام الوادعي. [/center]
  19. السؤال: أيضاً يا شيخ محمد يقول في رسالته ما الفرق بين المسلم والمؤمن وفقكم الله؟ الجواب، الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: الإسلام والإيمان كلمتان يتفقان في المعنى إذا افترقا في اللفظ بمعنى أنه إذا ذكر أحدهما في مكان دون الآخر فهو يشمل الآخر وإذا ذكرا جميعاً في سياق واحد صار لكل واحد منهما معنى فالإسلام إذا ذكر وحده شمل كل الإسلام من شرائعه ومعتقداته وآدابه وأخلاقه كما قال الله عز وجل (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ) وكذلك المسلم إذا ذكر هكذا مطلقاً فإنه يشمل كل من قام بشرائع الإسلام من معتقدات وأعمال وآداب وغيرها وكذلك الإيمان فالمؤمن مقابل الكافر فإذا قيل إيمان ومؤمن بدون قول الإسلام معه فهو شامل للدين كله أما إذا قيل إسلام وإيمان في سياق واحد فإن الإيمان يفسر بأعمال القلوب وعقيدتها والإسلام يفسر بأعمال الجوارح ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه لجبريل (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) إلى آخر أركان الإسلام وقال في الإيمان (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه) إلى آخر أركان الإيمان المعروفة ويدل على هذا الفرق قوله تعالى (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) وهذا يدل على الفرق بين الإسلام والإيمان فالإيمان يكون في القلب ويلزم من وجوده في القلب صلاح الجوارح لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) بخلاف الإسلام فإنه يكون في الجوارح وقد يصدر من المؤمن حقاً وقد يكون من ناقص الإيمان هذا هو الفرق بينهما وقد تبين أنه لا يفرق بينهما إلا إذا اجتمعا في سياق واحد وإما إذا انفرد أحدهما في سياق فإنه يشمل الآخر. ا.ه من فتاوى نور على الدرب.
  20. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته الحمد لله ، نحمده و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور انفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و على آله و أصحابه و من تبعهم بإحسان الى يوم الديـــن و سلم تسليما كثيرا ، أما بعد ... تزوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ [color:a577=800000]بخديجة ـ رضي الله عنها ـ بمكة وهو ابن خمس وعشرين سنة أي قبل بعثته بخمسة عشر عامًا، وبقيت مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أن أكرمه الله برسالته، فآمنت به ونصرته، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، ولأم المؤمنين [color:a577=800000]خديجة ـ رضي الله عنها ـ خصائص كثيرة اختصت بها ، منها : أن أبناء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلهم منها إلا [color:a577=800000]إبراهيم ـ عليه السلام ـ، وهم [color:a577=800000]القاسم وعبد الله وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ـ رضي الله عنهم ـ . وشاء الله أن يموت الولدان، واحدًا بعد الآخر، ولم يعيشا طويلاً .. أما البنات فقد تزوجن جميعًا من خيرة الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ، وقد توفيت ثلاث منهن في حياة النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ، ولحقت الرابعة به بعد وفاته بستة أشهر . قال [color:a577=800000]النووي : " كان له ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاثة بنين: القاسم وبه كان يُكَّنَّي، وُلِدَ قبل النبوة، وتوفي وهو ابن سنتين، [color:a577=800000]وعبد الله وسُمي [color:a577=800000]الطيب والطاهر،[color:a577=800000] لأنه وُلِدَ بعد النبوة . و[color:a577=800000]إبراهيم ولد بالمدينة سنة ثمان، ومات بها سنة عشر وهو ابن سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشر . وكان له أربع بنات: [color:a577=800000]زينب تزوجها [color:a577=800000]أبو العاص بن الربيع وهو ابن خالتها [color:a577=800000]هالة بنت خويلد . و[color:a577=800000]فاطمة تزوجها [color:a577=800000]على بن أبى طالب ـ رضي الله عنه ـ . [color:a577=800000]ورقية وأم كلثوم تزوجهما [color:a577=800000]عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ، تزوج [color:a577=800000]رقية ثم [color:a577=800000]أم كلثوم وتوفيتا عنده ولهذا سمى ذا النورين، تُوفيَت [color:a577=800000]رقية يوم بدر في رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وتوفيت[color:a577=800000]أم كلثوم في شعبان سنة تسع من الهجرة . فالبنات أربع بلا خلاف، والبنون ثلاث على الصحيح، وأول من وُلد له [color:a577=800000]القاسم، ثم [color:a577=800000]زينب، ثم [color:a577=800000]رقية، ثم [color:a577=800000]أم كلثوم، ثم [color:a577=800000]فاطمة، وجاء أن [color:a577=800000]فاطمةأكبر من [color:a577=800000]أم كلثوم، وكلهم من [color:a577=800000]خديجة إلا [color:a577=800000]إبراهيم فإنه من [color:a577=800000]مارية القب[color:a577=800000]طية، وكلهم توفوا قبله إلا [color:a577=800000]فاطمة فإنها عاشت بعده ستة أشهر على الأصح والأشهر" . [color:a577=0000ff]بناته ـ صلى الله عليه وسلم ـ : [color:a577=800000]زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة وكلهن من [color:a577=800000]خديجة ـ رضي الله عنها ـ، وقد أسلمن وهاجرن إلى المدينة، وهن بالترتيب كالآتي : [color:a577=000000]1 ـ[color:a577=0000ff] [color:a577=800000]زينب : هي كبرى بنات النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ، تزوجت قبل الإسلام بابن خالتها [color:a577=800000]أبى العاص بن الربيع، وأسلمت مثلما أسلمت أمها [color:a577=800000]خديجة ـ رضي الله عنها ـ وأخواتها الثلاث، وظل زوجها على كفره، وبقيت معه في مكة ولم تهاجر مع رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ إلى المدينة، ثم تبعته بعد ذلك، وقد خرج [color:a577=800000]أبو العاص مهاجرًا إلى المدينة بعد أن أسلم، فرد عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - زوجته [color:a577=800000]زينب ـ رضي الله عنها ـ، ولم تعش [color:a577=800000]زينب طويلاً بعد إسلام زوجها، فتوفيت في العام الثامن من الهجرة، تاركة ابنتها الصغيرة [color:a577=800000]أُمامة التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحملها على عاتقه وهو يصلى، فإذا سجد وضعها حتى يقضى صلاته ثم يعود فيحملها [color:a577=0000ff] [color:a577=000000]2 ـ [color:a577=800000]رقية : تزوجها [color:a577=800000]عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ، وهاجر بها إلى الحبشة حين اشتد إيذاء المشركين للمسلمين وبالغوا في تعذيبهم، وكان [color:a577=800000]عثمان وزوجته [color:a577=800000]رقية أول من هاجر إلى تلك البلاد مع عدد من المهاجرين الأوائل فرارًا بدينهم . وفى بلاد الحبشة رزقت بابنها [color:a577=800000]عبد الله، وبعد فترة عاد بعض المهاجرين إلى مكة، وكان من بينهم [color:a577=800000]عثمان وزوجته [color:a577=800000]رقية، التي لم يطل المقام بها في مكة، فهاجرت مع زوجها [color:a577=800000]عثمان إلى المدينة، ثم ما لبثت أن ابتليت بوفاة ابنها [color:a577=800000]عبد اللهوكان في العام السادس في عمره، ثم مرضت ـ رضي الله عنها ـ بالحمى، فجلس زوجها [color:a577=800000]عثمانإلى جوارها يمرضها ويرعاها، وفى هذا الوقت خرج المسلمون إلى غزوة بدر، ولم يتمكن[color:a577=800000]عثمان من اللحاق بهم، لأمر النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ له بالبقاء مع زوجته [color:a577=800000]رقية، ثم توفيت ـ رضي الله عنها ـ مع رجوع [color:a577=800000]زيد بن حارثة ـ رضي الله عنه ـ بشيرًا بنصر المسلمين ببدر . [color:a577=0000ff][color:a577=000000]3 ـ [color:a577=800000]أم كلثوم : بعد وفاة [color:a577=800000]رقية ـ رضي الله عنها ـ زوَّج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ [color:a577=800000]عثمان ـ رضي الله عنه ـ ابنته الثانية [color:a577=800000]أم كلثوم ـ رضي الله عنها ـ، ولذلك سُمِّى [color:a577=800000]عثمان بذي النورين لزواجه من ابنتي رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، وهو شرف وتكريم لم يحظَ به غيره من الصحابة، وظلت معه حتى توفيت في شهر شعبان من العام التاسع من الهجرة دون أن تنجب ولدًا، ودفنت إلى جانب أختها [color:a577=800000]رقية ـ رضي الله عنها ـ . [color:a577=0000ff][color:a577=000000]4 ـ [color:a577=800000]فاطمة : هي أصغر بنات النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ، ولدت في السنة الخامسة قبل البعثة النبوية، وبعد هجرتها إلى المدينة المنورة تزوجها [color:a577=800000]على بن أبى طالب ـ رضي الله عنه ـ في العام الثاني من الهجرة، ورُزِقَت [color:a577=800000]فاطمة ـ رضي الله عنها ـ في العام الثالث من الهجرة بابنها الأول [color:a577=800000]الحسن، ثم [color:a577=800000]الحسين في شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة، وفى العام الخامس من الهجرة ولدت طفلتها الأولى [color:a577=800000]زينب، وبعد عامين من مولدها رزقت بابنتها الثانية [color:a577=800000]أم كلثوم . وكانت [color:a577=800000]فاطمة ـ رضي الله عنها ـ أشبه الناس بأبيها ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مشيتها وحديثها، وكانت إذا دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وبلغ من حب النبي - صلى الله عليه وسلم - لها أن قال: ( [color:a577=800000]فاطمة [color:a577=008000]بضعة منى(جزء مِني) [color:a577=008000]فمن أغضبها أغضبني ) رواه [color:a577=800000]البخاري . وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( [color:a577=008000]أفضل نساء أهل الجنة [color:a577=800000]خديجة بنت خويلد،[color:a577=800000] [color:a577=800000]وفاطمة بنت محمد،[color:a577=800000] ومريم بنت عمران،[color:a577=800000] وآسية بنت مُزاحمٍامرأة فرعون ) رواه [color:a577=800000]أحمد . وعاشت [color:a577=800000]فاطمة ـ رضي الله عنها ـ حتى شهدت وفاة النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ، ثم لحقت به بعد وفاته بستة أشهر، في الثاني من شهر رمضان من السنة الحادية عشرة من الهجرة، ودفنت بالبقيع . [color:a577=0000ff]الأولاد: [color:a577=0000ff]1ـ [color:a577=800000]القاسم : وبه كان يُكَّنَّى، وُلِدَ قبل النبوة، وتُوفي وهو ابن سنتين . [color:a577=0000ff]2 ـ [color:a577=800000]عبد الله : سُمي [color:a577=800000]الطيب والطاهر، لأنه ولد بعد النبوة [color:a577=0000ff]3 ـ [color:a577=0000ff][color:a577=800000]إبراهيم : ولد بالمدينة سنة ثمان من الهجرة، وهو آخر أبناء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من [color:a577=800000]مارية القبطية ـ رضي الله عنها ـ، التي أهداها المقوقس حاكم مصر إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في العام السادس من الهجرة، فأسلمت، وتزوجها النبي- صلى الله عليه وسلم -، ولم يعش [color:a577=800000]إبراهيم طويلاً، فقد توفى بالمدينة المنورة سنة عشر من الهجرة، وهو ابن سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا، وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند موت ابنه [color:a577=800000]إبراهيم: ([color:a577=008000]إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرْضِى ربنا، وإنا بفراقك يا [color:a577=800000]إبراهيم لمحزونون) رواه [color:a577=800000]البخاري . ومن خلال حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسيرته نرى أن الله رزقه الأولاد والبنات، تكميلاً لفطرته البشرية وقضاء لحاجات النفس الإنسانية، ثم أخذ البنين في الصغر، فذاق ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرارة فقد الأبناء، كما ذاق من قبل مرارة فقد الأبوين، وقد شاء الله - وله الحكمة البالغة - أن لا يعيش له - صلى الله عليه وسلم - أحد من الذكور، حتى لا يكون مدعاة لافتتان بعض الناس بهم، وادّعائهم لهم النبوة، وأيضاً ليكون ذلك عزاء وسلوى للذين لا يُرزقون البنين، أو يُرزقون ثم يموتون، كما أنه لون من ألوان الابتلاء، وأشد الناس بلاء الأنبياء، فعن [color:a577=800000]سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ قال: ([color:a577=008000]قلتُ يا رسول الله : أيُّ الناس أشدُّ بلاء ؟، قال الأنبياء، ثمَّ الأَمثل فالأَمثل ، يُبتلَى الرَّجلُ علَى حسب دينه ، فإن كان في دينه صلبًا اشتدَّ بلاؤُهُ ، وإن كانَ في دينِهِ رِقَّةٌ ابتُلِيَ علَى قدر دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي علَى الأرض وما عليه خطيئة ) رواه [color:a577=800000]الترمذي .
  21. مختارات من معجزات الرسول صلى الله عليه و سلم بقلم فضيلة الشيخ / علي بن يحيى الحدادي. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: فمن علامات الرسول أن يؤيده الله بالمعجزات الخارقة للقدرات البشرية، لتكون دليلاً على صدقه، وزيادة لإيمان من آمن به، وحجة على من خالفه وكذبه، وقد أيد الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم بمعجزات كثيرة، ولا شك أن أعظمها هو القرآن الكريم المعجزة الباقية إلى أن يأذن الله برفعه إليه قبيل قيام الساعة. ولأثر العلم بآياته صلى الله عليه وسلم ومعجزاته في زيادة الإيمان به صلى الله عليه وسلم أحببت أن أذكر نفسي ومن يقرأ مقالي هذا بشيء منها مقتصراً على نماذج مختارة على سبيل الاختصار: انشقاق القمر طلب المشركون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فانشق القمر فلقتين فلقة عن يمين جبل حراء وفلقة عن يساره فما آمنوا ولكن قالوا سحرنا محمد وصدق الله إذ يقول (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). وذكر ابن كثير أنه قد بني في الهند هيكل كتب عليه بني في الليلة التي انشق فيها القمر. (انظر شمائل الرسول ودلائل نبوته لابن كثير ص 184-190) نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه و سلم كان النبي صلى الله عليه و سلم بالزوراء _موضع بالمدينة_ فأتي بإناء فيه ماء لا يغمر أصابعه فأمر أصحابه أن يتوضؤوا، فوضع كفه في الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه، حتى توضأ القوم، قيل لأنس: كم كنتم ؟ قال: كنا ثلاثمائة. القصة في البخاري ومسلم (انظر شمائل الرسول ودلائل نبوته لابن كثير ص228). تكثير اللبن قص أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم مر به فعرف في وجهه الجوع فأمره أن يلحقه إلى البيت فلما دخل أبو هريرة وجد لبنا _ وقد فرح أبو هريرة باللبن إذ قد بلغ به الجوع كل مبلغ رضي الله عنه _ ولكن فاجأه النبي صلى الله عليه و سلم حين قال له (ادع لي أهل الصفة) وأهل الصفة عدد كبير فقراء يسكنون المسجد حتى يجد أحدهم ما يغنيه فحزن أبو هريرة لأن اللبن قليل والناس كثير وهو الساقي فلن يشرب إلا آخرهم إن بقي شيء فلما دخلوا أمره النبي صلى الله عليه و سلم أن يناولهم فكان الرجل يشرب حتى يروى ثم يناوله الذي يليه حتى شربوا كلهم وبقيت فيه بقية قال فناولته النبي صلى الله عليه و سلم فنظر إليه وتبسم وقال أبا هر: بقيت أنا وأنت. فقلت: صدقت يا رسول الله قال اقعد فاشرب قال فقعدت فشربت ثم قال لي اشرب فشربت فما زال يقول لي اشرب حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له في مسلكاً قال ناولني القدح فرددت إليه القدح فشرب من الفضلة أي من البقية. القصة في البخاري (انظر شمائل الرسول ودلائل نبوته لابن كثير ص 245). تكثير التمر القليل كان رسول الله في غزاة فأصابهم جوع فسأل أبا هريرة : عندك شيء ؟ قلت شيء من تمر في مزود لي. قال جئ به. فجاء به ونثر النبي صلى الله عليه و سلم ما فيه على بساط من جلد وعد التمرات فإذا هي واحد وعشرون تمرة فسمى الله ودعا بالبركة ثم دعا الناس ليأكلوا فأكل من معه حتى شبعوا ثم قال لأبي هريرة اقعد فقعدت فأكل وأكلت قال وفضل تمر فأدخلته في المزود، وقال لي يا أبا هريرة إذا أرت شيئاً فأدخل يدك ولا تكبه قال أبو هريرة : فأكلت منه حياة أبي بكر وحياة عمر وحياة عثمان وفي رواية فأخذت منه خمسين وسقاً في سبيل الله. والوسق الواحد يعادل ستين صاعاً والصاع الواحد يعادل ثلاث كيلوات تقريباً أي ما يزيد على سبعة آلاف كيلو جرام تقريباً. (انظر شمائل الرسول ودلائل نبوته لابن كثير ص 277) تكثير الشعير القليل قالت عائشة : لقد توفي رسول الله وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال علي فكلته (أي لتعرف كم بقي منه ) قالت: ففني أي نفد وانتهى. متفق عليه. (انظر شمائل الرسول ودلائل نبوته لابن كثير ص 281) انقياد الشجر له صلى الله عليه و سلم أراد النبي صلى الله عليه و سلم مرة أن يقضي حاجته وهو في سفر فبحث عن شيء يستتر به فلم يجد، وإذا بشجرتين في شاطئ الوادي وبينهما بعد وكل واحدة منهما لا تكفي لستره فجاء إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها وقال انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها وقال انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كأختها حتى إذا كان بالمنتصف قال التئما علي بإذن الله فالتئمتا فلما قضى حاجته رجعت كل واحدة إلى مكانها. القصة في صحيح مسلم. (انظر شمائل الرسول ودلائل نبوته لابن كثير ص 293) حنين الجذع شوقاً إليه صلى الله عليه وسلم كان في المسجد جذع يستند إليه النبي صلى الله عليه و سلم ويخطب عليه ثم صنع له منبر من ثلاث درجات، فلما جاءت الجمعة المقبلة مشى النبي صلى الله عليه و سلم حتى تجاوز الجذع فخار الجذع خوار الثور، وحن حنين الناقة على ولدها حنيناً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجزعاً عليه، فرجع إليه النبي صلى الله عليه وسلم فاحتضنه فسكن وسكت فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة) وكان الحسن البصري رحمه الله إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقاً إليه لمكانه من الله فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه. (انظر شمائل الرسول ودلائل نبوته لابن كثير ص 299) تسليم الحجر عليه صلى الله عليه وسلم عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن) رواه مسلم. (انظر شمائل الرسول ودلائل نبوته لابن كثير ص 318) سجود البعير للنبي صلى الله عليه وسلم وانقياده له عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه أي يسقون عليه وإنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره وإن الأنصار جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا إنه كان لنا جمل نسني عليه وإنه استصعب علينا ومنعنا ظهره وقد عطش الزرع والنخل فقال رسول اله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا. فقاموا فدخل الحائط (البستان) والجمل في ناحية فمشى النبي صلى الله عليه وسلم نحوه فقالت الأنصار: يا رسول الله إنه قد صار مثل الكلب الكلِب (أي صار مثل الكلب المسعور) وإنا نخاف عليك صولته، فقال : ليس علي منه بأس. فلما نظر الجمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل نحوه حتى خر ساجداً بين يديه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته أذل ما كانت قط حتى أدخله في العمل (أي سقيا البستان). فقال له أصحابه: يا رسول الله هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك. فنحن أحق أن نسجد لك. فقال: لا يصلح لبشر أن يسجد لبسر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه. رواه أحمد. انظر شمائل الرسول ودلائل نبوته لابن كثير ص 321) قلت: ومع عظم حق الزوج على امرأته إلا أنه يجب على الزوج أن يعاشر امرأته بالمعروف، وأن يتقي الله فيها كما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بذلك. بعير يشكو إليه صاحبه عن يعلى بن مرة قال: كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ جاءه جمل يخب حتى ضرب بجرانه بين يديه (أي جاء يمشي حتى وضع عنقه أمام النبي صلى الله عليه وسلم) ثم ذرفت عيناه. فقال ويحك: انظر لمن هذا الجمل، إن له لشأناً ؟!! قال فخرجت ألتمس صاحبه فوجدته لرجل من الأنصار فدعوته إليه فقال: ما شأن جملك هذا؟ فقال: وما شأنه؟ قال: لا أدري والله ما شأنه عملنا عليه ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه. قال: فلا تفعل هبه لي أو بعنيه. فقال: بل هو لك يا رسول الله فوسمه بوسم الصدقة ثم بعث به. وفي رواية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: ما لبعيرك يشكوك ؟ زعم أنك أفنيت شبابه حتى إذا كبر تريد أن تنحره قال صدق. والذي بعثك بالحق قد أردت ذلك والذي بعثك بالحق لا أفعل. رواه أحمد (انظر شمائل الرسول ودلائل نبوته لابن كثير ص 329) ذئب يتكلم عن أبي سعيد الخدري قال عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبها الراعي فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه فقال : ألا تتقي الله تنزع مني رزقاً ساقه الله إلي؟ فقال: يا عجبي ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس؟ ! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فنودي الصلاةَ جامعةً (أي اجتمعوا أيها الناس) ثم خرج فقال للراعي أخبرهم، فأخبرهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق. والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس ويكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله و يخبره فخذه بما أحدث أهله بعده. رواه أحمد. (انظر شمائل الرسول ودلائل نبوته لابن كثير ص 338-339) دعوات مستجابة 1- دعا لأنس بن مالك أن يطيل الله عمره وأن يكثر ولده وأن يبارك في ماله فعاش مائة سنة، وولد له أكثر من مائة ولد، وكان بستانه يثمر في السنة مرتين. 2- دعا لأم أبي هريرة بالهداية فما رجع أبو هريرة إلى البيت إلا وهي مسلمة. 3- دعا لأبي زيد الأنصاري فقال اللهم جمله وأدم جماله فعاش أكثر من مائة سنة وما في لحيته إلا بياض يسير وكان منبسط الوجه حتى مات. 4- أكل معه رجل بشماله (والأكل بالشمال منهي عنه وإنما يأكل المسلم ويشرب بيمينه) فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم كل بيمينك. فقال لا أستطيع. لا يمنعه إلا الكبر أن يخضع لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم (لا استطعت) فما رفعها إلى فيه شلها الله تعالى استجابة لدعاء نبيه. (انظر شمائل الرسول ودلائل نبوته لابن كثير ص 387-397) اهتزاز جبل أحد عن أنس بن مالك قال صعِد رسول الله صلى الله عليه وسلم أُحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم الجبل فضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم برجله وقال اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان رواه البخاري. ووقع الأمر كما أخبر: الصديق أبو بكر، والشهيدان عمر وعثمان رضي الله عنهم جميعاً. (انظر شمائل الرسول ودلائل نبوته لابن كثير ص 469) هذه بعض معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى المؤلفات المعتمدة في هذا الباب مثل كتاب (شمائل الرسول ودلائل نبوته) للإمام ابن كثير، و الصحيح المسند من دلائل النبوة للعالم السلفي مقبل بن هادي الوادعي رحمهما الله. أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يمسكنا بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأن يرزقنا حسن الاتباع، وأن يجنبنا الابتداع والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.
  22. الحمد لله القوي المتين، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم أجمعين، وعلى آله وأصحابه والتابعين. أما بعد: فقد أخبر أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا )). وسيكون الكلام عن هذا الحديث في مسائل: المسألة الأولى / عن تخريجه ودرجته. هذا الحديث أخرجه مسلم (118) واللفظ له، وأحمد (10772و 8030) والترمذي (2195) وابن حبان (6704 ) وغيرهم. وصححه: مسلم والترمذي وابن حبان وأبو عوانة والبغوي والألباني وغيرهم. المسألة الثانية / عن موضوعه. موضوع هذا الحديث هو: الترهيب من الفتن وبيان خطرها وأضرارها على الناس. المسألة الثالثة / عن شرحه. هذا الحديث في الفتن، والفتن نوعان: النوع الأول: فتن الشبهات. والمراد بها: الفتن المتعلقة بالدين. وهي أشد وأخطر من فتن الشبهات، لأنها قد تخرج الإنسان طهارة التوحيد إلى نجاسة الشرك والكفر والإلحاد والزندقة أو من نور السنة إلى ظلمة البدع والضلالات. وهذه الشبه تخرج من حين لآخر، وتكثر في وقت وتضعف في آخر، ودعاتها في ازدياد وتكاثر، وقد تخرج في جريدة أو في مجلة أو في كتاب أو في شريط أو في فضائية أو في الإنترنت، أو عن طريق مجادلة أو مناظر مع ملحد أو مبتدع. وقد يكون الرجل صاحب عقيدة صحيحة طيبة، وحب للتوحيد والسنة، وتعظيم للسلف، فيجر نفسه إلى السماع والإصغاء لملحد أو مبتدع أو قراءة كتبه، فيورد عليه شبهة يضل بها ويهلك. وهذه الشُّبَه قد تتعلق بالله سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله، أو بالرسل والأنبياء، أو بالقرآن، أو بالصحابة، أو بالقدر، أو باليوم الآخر وما فيه، أو بالغيبيات، أو بالتوحيد والشرك، أو بالسنة والبدعة، أو ببعض الواجبات، أو المحرمات، أو الأدوية الواردة في السنة. النوع الثاني: فتن الشهوات. والمراد بها: الشهوات الموصلة والمشجعة على فعل المعاصي ومقارفتها. وهذه الفتن شديدة الخطورة لا سيما في عصرنا، لأنها أكثر إغراء، وأقرب إلى النفوس الضعيفة، فينخدع بها المسلم أول الأمر، ثم يتورط فيها حتى تسوخ قدمه في الباطل، ويذهب إيمانه أو يضعف. ومن أمثلتها: شهوة المال، وشهوة الفواحش، وشهوة الملاهي، وشهوة المأكولات وشهوة المشروبات، وشهوة الملبوسات، وشهوة تقليد الكفار والفساق. فشهوة المال مثلاً تفضي إلى الوقوع في آثام كثيرة، كسفك الدماء بالحروب بين الدول، أو بين القبائل بعضها مع بعض، أو سرقة بيوت الناس ومتاجرهم ومراكبهم، أو أكل أموالهم بالطرق والحيل المحرمة، أو بيع الأشياء المحرمة. وشهوة الفاحشة تفضي إلى الوقوع في الاغتصاب، والزنا، وعمل قوم لوط، والاستمناء، واستدراج القُصَّر، وضعاف العقول، إلى ولوج باب الرذيلة، وتفضي إلى مشاهدة العُري في الفضائيات أو الفيديو أو الإنترنت أو الصحف والمجلات، أو ملاحقة النساء في الأسواق أو عبر أجهزت التواصل المرئي والمسموع كالهاتف الجوال وكاميرا الكمبيوتر. ويزاد على ذلك ما تجر إليه من الضعف في أداء الواجبات، والتقصير والتساهل في القيام بها، بل تركها وهجرها. وقد يكون الرجل عند عفة وخوف ودين فيلج باب هذا النوع من الفتن فيفسد ويهلك. المسألة الرابعة / عن فوائدة. في هذا الحديث جملة من الفوائد: الفائدة الأولى: التخويف والترهيب من الفتن. وهذا الخوف يعود على العبد بمصالح جمة، ومن هذه المصالح: أولاً: الإقبال على طلب العلم الشرعي، والجد فيه. وذلك لأن العلم الشرعي يكشفها له، ويُعرِّفه أحكامها، ويدلُّه على الموقف الصحيح منها، وكلما ازداد منه زاد بها بصيرة. ثانياً: كثرة التضرع إلى الله ودعائه بأن يعيذه ويسلمه من الفتن لا سيما في الأوقات والأزمان الفاضلة. والله تعالى يحب التضرع إليه، ويحب المتضرعين، وقد قال سبحانه حاثاً لهم ومرغباً في التضرع إليه: { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ }. ثالثاً: البعد عن الأسباب المؤدية إلى الفتن. ومن هذه الأسباب: عدم مشاهدة أو سماع القنوات الفضائية أو المواقع العنكبوتية أو الأشرطة والسيديهيات التي تثيرها وتؤججها، وترك القراءة في الكتب والجرائد والمجلات التي تذكيها وتشعلها، والبعد عن أماكنها وساحاتها وشوارعها ومسارحها ونواديها ومقاهيها، ومجانبة مخالطة دعاتها ومن عُرفوا بالتشغيب أو كثرة الكلام أو المسارعة إلى ولوج الفتن. الفائدة الثانية: الحض على المسارعة والإكثار من الأعمال الصالحة قبل تركها بسبب الانشغال بحلول وتراكم الفتن. وهذا الحض من النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من أعما البر قبل نشوب الفتن وتراكمها له أسباب، ومن هذه الأسباب: أولاً: أن الأعمال الصالحة تكون حماية للإنسان من الفتن، لأنها تقوي إيمانه، وتزيد في ثباته، ولأن الله ـ جل وعلا ـ لا يخيب من أقبل عليه ولزم عبادته وطاعته. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ حين كان غلاماً في وصيته مشهورة: (( تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ)) رواه أحمد وغيره. وأخرج البخاري (6502) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ )). وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه "جامع العلوم والحكم"(ص424رقم:19): وفي الجملة: فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه، عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته.اهـ وقال العلامة العثيمين ـ رحمه الله ـ في "شرح رياض الصالحين"(1/105) عن الفتن إذا لاقت إيماناً ضعيفاً: وذلك لأنها فتن قوية ترد على إيمان ضعيف أضعفته المعاصي وأنهكته الشهوات، فلا يجد مقاومة لتلك الفتن ولا مدافعة، فتفتك به فتكاً، وتمزقه كما يمزق السهم رميته.اهـ وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مزيد ترغيب لأمته في الإكثار من العبادات أزمنة الفتن، وبين لهم عظم الأجر على فعلها، فقال صلى الله عليه وسلم: (( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ )) أخرجه مسلم في "صحيحه"(2948). وقال النووي ـ رحمه الله ـ في "شرح صحيح مسلم" عند هذا الحديث: المراد بالهرج هنا: الفتنة واختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها، وينشغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا الأفراد.اهـ ثانياً: أن الفتن إذا حلت تحول بين الإنسان والعمل الصالح أو تضعفه أو تنقص ثوابه. وذلك لأن الفتنة قد تكون في الدماء فيضعف الأمن، ويتسلط الأشرار والمجرمون، وينتشر القتل، فينشغل العبد عن الطاعات والجمع والجماعات بحفظ نفسه أو أهله أو ماله. وقد تؤدي هذه الفتن إلى سجنه أو تشريده أو تعذيبه فينشغل عن الإقبال على الأعمال الصالحة بنفسه، وما هو فيه من حال. أو تدخل عليه الهموم والغموم والكروب والهواجس والمخاوف، فتشتت ذهنه، وتشغل قبله، وتزعج تفكيره، فيضعف خشوعه، ويقل حضور قلبه عند أداء العبادات، فينقص أجره وثوابه. الفائدة الثالثة: بيان شيء من شدائد وفظائع هذه الفتن. ومن هذه الفظائع والعظائم: أن يمُسي الرجل وهو مؤمن ثم يصبح بسببها كافراً أو يصبح وهو مؤمن ثم يمسي بسببها كافراً. وهذا الكفر الذي أدت إليه هذه الفتن قد يكون أكبراً مخرجاً عن الملة، وقد يكون أصغراً لا ينقل عن الملة، على حسب العرض الذي يبيع به الإنسان دينه. أشار إلى ذلك العلامة العثيمين ـ رحمه الله ـ في "التعليق على صحيح مسلم"(ص380). وقال العلامة ابن باز ـ رحمه الله ـ كما في "مجموع فتاويه"(25/108): (( يبيع دينه بعرض من الدنيا )): وذلك بأن يتكلم بالكفر، أو يعمل به من أجل الدنيا، ويأتيه من يقول له: تسب الله، تسب الرسول، تدع الصلاة ونعطيك كذا وكذا، تستحل الزنا، تستحل الخمر، ونعطيك كذا وكذا، أو يقولوا: لا تكن مع المؤمنين ونعطيك كذا وكذا لتكون مع الكافرين، فيغريه بأن يكون مع الكافرين وفي حزب الكافرين، وفي أنصارهم، حتى يعطيه المال الكثير فيكون ولياً للكافرين وعدواً للمؤمنين، وأنواع الردة كثيرة جداً، وغالباً ما يكون ذلك بسبب الدنيا، حب الدنيا وإيثارها على الآخرة.اهـ الفائدة الرابعة: عظم خطر هذه الفتن. وهو مأخوذ من جهتين: الأولى: أن الرجل ينقلب بسببها في في اليوم الواحد هذا الانقلاب الكبير الشنيع. الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم شبهها بالجزء المظلم من الليل لا المقمر. وشدة الظلام تصعب معه المعرفة، ويسهل في وقته الوقوع في ما يضر ويهلك. وكذلك الفتن إذا اشتدت وازدادت وتوسعت يصعب وقتها معرفة الحق، ويضعف العمل به، وتفسد الأحوال، ويضعف الدين، وتختل الحياة، وتذهب الدنيا. الفائدة الخامسة: أن الإقبال على الدنيا وشهواتها من أكبر أسباب الوقوع في الفتن وولوجها، والانحراف عن الدين. وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم عن سبب تغير العبد من الإيمان إلى الكفر: (( يبيع دينه بعرض من الدنيا )). وقال العلامة العثيمين ـ رحمه الله ـ في "شرح رياض الصالحين"(1/150): ولا تظن أن العرض من الدنيا هو المال، كل متاع الدنيا عرض سواء مال أو جاه أو رئاسة أو نساء أو غير ذلك، كل ما في الدنيا من متاع فإنه عرض.اهـ الفائدة السادسة: أن المبادرة بالأعمال الصالحة من أسباب ثبات الإيمان، وأن تركها من عوامل الشك والتأثر بالفتن. ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك ورغب. والحمد لله رب العالمين. منقول من شبكة ميراث الأنبياء.
  23. [rtl]الحمد لله ، نحمده و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله[/rtl] [rtl]من شرور انفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له[/rtl] [rtl]و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله صلى الله عليه و على آله و أصحابه و من تبعهم بإحسان الى يوم الديـــن و سلم تسليما كثيرا ،أما بعد يطيب لي مرة اخرى إخوة الايمان في منتدى السنة النبوية وأعلام الامة أن اضع بين أيديكم السلسسة المعروفة برجال حول الرسول [/rtl] [rtl] [/rtl] اليوم المقداد بن عمرو رضي الله عنه هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة، من قضاعة، وقيل: من كندة. أبو معبد أو أبو عمرو. نسب إلى الأسود بن عبد يغوث الزهري; لأنه تبناه في الجاهلية. - قال ابن الكلبي: كان عمرو بن ثعلبة أصاب دمًا في قومه، فلحق بحضرموت، فحالف كندة، فكان يقال له: الكندي، وتزوج هناك امرأة فولدت له المقداد. - فلما كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي، فضرب رجله بالسيف وهرب إلى مكة، فحالف الأسْود بن عبد يغوث الزهري، وكتب إلى أبيه، فقدم عليه، فتبنى الأسود المقداد، فصار يقال: المقداد بن الأسود، وغلبت عليه واشتهر بذلك؛ فلما نزلت: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} [الأحزاب: 5], قيل له: المقداد بن عمرو، واشتهرت شهرته بابن الأسود. - وكان المقداد يكنى أبا الأسود، وقيل: كنيته أبو عمر، وقيل: أبو سعيد. وأسلم قديمًا، وتزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابنة عم النبي ، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، وكان فارسًا يوم بدر حتى إنه لم يثبت أنه كان فيها على فرس غيره. - وكان فارسًا شجاعًا "يقوم مقام ألف رجل" على حد تعبير عمرو بن العاص وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله وهو أول فارس في الإسلام وكان من الفضلاء النجباء الكبار الخيار من أصحاب النبي سريع الإجابة إذا دعي إلى الجهاد حتى حينما تقدمت به سنه، وكان يقول في ذلك: أبت علينا سورة البحوث {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً} [التوبة: 41], وكان إلى جانب ذلك رفيع الخلق، عالي الهمة، طويل الأناة، طيب. قصة إسلام المقداد بن الأسود : الذي يظهر من مجمل النصوص أن المقداد كان من المبادرين الأُول لاعتناق الإسلام، فقد ورد فيه: أنه أسلم قديمًا، وذكر ابن مسعود أن أول من أظهر إسلامه سبعة، وعدّ المقداد واحدًا منهم. إلا أنه كان يكتم إسلامه عن سيده الأسود بن عبد يغوث خوفًا منه على دمه شأنه في ذلك شأن بقية المستضعفين من المسلمين الذين كانوا تحت قبضة قريش عامة، وحلفائهم وساداتهم خاصة، أمثال: عمار وأبيه وبلالٍ وغيرهم ممن كانوا يتجرعون غصص المحنة؛ فما الذي يمنع الأسود بن عبد يغوث من أن يُنزل أشد العقوبة بحليفه إن هو أحس منه أنه قد صبأ إلى دين محمد؟ سيما وأن الأسود هذا كان أحد طواغيت قريش وجباريهم، وأحد المعاندين لمحمد والمستهزئين به وبما جاء، إنه -ولا شك- في هذا الحال لن يكون أقل عنفًا مع حليفه من مخزوم مع حلفائها. لأجل هذا كان المقداد يتحين الفرص لانفلاته من ربقة "الحلف" الذي أصبح فيما بعد ضربًا من العبودية المقيتة، ولونًا من ألوان التسخير المطلق للمحالف يجرده عن كل قيمة، ويُحرم معه من أبسط الحقوق. أهم ملامح شخصية المقداد بن الأسود : حبه للإسلام : حب المقداد للإسلام ملأ قلبه بمسئولياته عن حماية الإسلام، ليس فقط من كيد أعدائه، بل ومن خطأ أصدقائه، فقد خرج يومًا في سريَّة تمكن العدو فيها من حصارهم، فأصدر أمير السرية أمره بألا يرعى أحد دابته، ولكن أحد المسلمين لم يحِط بالأمر خُبْرا فخالفه، فتلقى من الأمير عقوبة أكثر مما يستحق، أو لا يستحقها على الإطلاق، فمر المقداد بالرجل يبكي ويصيح فسأله فأنبأه ما حدث، فأخذ المقداد بيمينه ومضيا صوب الأمير، وراح المقداد يناقشه حتى كشف له خطأه وقال له: "والآن أقِدْهُ من نفسك، ومَكِّنْهُ من القصاص", وأذعن الأمير، بيد أن الجندي عفا وصفح وانتشى المقداد بعظمة الموقف وبعظمة الدين الذي أفاء عليهم هذه العزة، فراح يقول: "لأموتَنَّ والإسلام عزيز". بعض مواقف المقداد بن الأسود مع الرسول : يروي عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد بن الأسود قال: قدمت المدينة أنا وصاحبان فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد فأتينا إلى النبي فذكرنا له فذهب بنا إلى منزله وعنده أربعة أعنز فقال: "احلبهن يا مقداد وجزئهن أربعة أجزاء وأعط كل إنسان جزءا", فكنت أفعل ذلك فرفعت للنبي ذات ليلة فاحتبس واضطجعت على فراشي فقالت لي نفسي إن النبي قد أتى أهل بيت من الأنصار, فلو قمت فشربت هذه الشربة فلم تزل بي حتى قمت فشربت جزءًا, فلما دخل في بطني ومعائي أخذني ما قدم وما حدث، فقلت يجيء الآن النبي جائعًا ظمآنًا فلا يرى في القدح شيئًا فسجيت ثوبًا على وجهي, وجاء النبي فسلم تسليمة تسمع اليقظان ولا توقظ النائم.. فكشف عنه فلم ير شيئًا فرفع رأسه إلى السماء، فقال: "اللهم اسق من سقاني وأطعم من أطعمني", فاغتنمت دعوته وقمت فأخذت الشفرة فدنوت إلى الأعنز فجعلت أجسهن أيتهن أسمن لأذبحها فوقعت يدي على ضرع إحداهن, فإذا هي حافل ونظرت إلى الأخرى فإذا هي حافل فنظرت فإذا هن كلهن حفل, فحلبت في الإناء فأتيته به فقلت: اشرب, فقال: "ما الخبر يا مقداد", فقلت: اشرب ثم الخبر، فقال: "بعض سوآتك يا مقداد", فشرب ثم قال: "اشرب", فقلت: اشرب يا نبي الله فشرب حتى تضلع ثم أخذته فشربته ثم أخبرته الخبر، فقال النبي : "هيه", فقلت كان كذا وكذا, فقال النبي : "هذه بركة منزلة من السماء أفلا أخبرتني حتى أسقي صاحبيك", فقلت: إذا شربت البركة أنا وأنت فلا أبالي من أخطأت. - ومن طريق يعقوب بن سليمان، عن ثابت البناني، قال: كان المقداد وعبد الرحمن بن عوف جالسَين فقال له مالك: ألا تتزوج؟ قال: زوجني ابنتك. فغضب عبد الرحمن وأغلظ له، فشكا ذلك للنبي ، فقال: أنا أزوجك, فزوجه بنت عمه ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب. ولما بلغ رسول الله عرق الظبية دون بدر استشار الناس فقال: أشيروا علي أيها الناس! فقام أبو بكر فقال وأحسن, ثم قام عمر فقال مثل ذلك, ثم قام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول الله! امض بنا لأمر الله فنحن معك, والله لا نقول لك مثل ما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون, ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون, والذي بعثك بالحق! لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تنتهي إليه رسول الله! فقال له رسول الله خيرًا ودعا له بخير. أثر الرسول في تربية المقداد بن الأسود : ولاّه الرسول إحدى الإمارات يومًا، فلما رجع سأله النبي: "كيف وجدت الإمارة؟", فأجاب: لقد جَعَلتني أنظر إلى نفسي كما لو كنت فوق الناس، وهم جميعًا دوني، والذي بعثك بالحق، لا أتأمرن على اثنين بعد اليوم أبداً. وروى ثابت البناني عن أنس بن مالك عن المقداد بن الأسود أنه قال: والله لا أشهد لأحد أنه من أهل الجنة حتى أعلم ما يموت عليه, فإني سمعت رسول الله يقول: "لقلب ابن آدم أسرع انقلابًا من القدر إذا استجمعت غليًا". بعض مواقف المقداد بن الأسود مع التابعين : يقول صفوان بن عمرو، حدثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد يومًا، فمر به رجل، فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله , والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت، فاستمعت، فجعلت أعجب، ما قال إلا خيرًا، ثم أقبل عليه، فقال: ما يحمل أحدكم على أن يتمنى محضرًا غيبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه. والله لقد حضر رسول الله أقوام كبهم الله على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه، ولم يصدقوه، أو لا تحمدون الله، إذ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعرفون إلا ربكم, مصدقين بما جاء به نبيكم، وقد كفيتم البلاء بغيركم؟ والله لقد بعث النبي على أشد حال بعث عليه نبي في فترة وجاهلية، ما يرون دينًا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان حتى إن الرجل ليرى والده، أو ولده، أو أخاه كافرًا، وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان، ليعلم أنه قد هلك من دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حميمه في النار، وأنها للتي قال الله تعالى: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان: 74]. أثر المقداد بن الأسود في الآخرين : دعوته وتعليمه : يحدث أبو بلال عن أبي راشد الحبراني أنه وافى المقداد بن الأسود، وهو يجهز، قال: فقلت: يا أبا الأسود قد أعذر الله إليك، أو قال: قد عذرك الله، يعني في القعود عن الغزو; فقال: أتت علينا سورة براءة: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً} [التوبة: 41]. بعض الأحاديث التي نقلها المقداد بن الأسود عن الرسول : عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن المقداد بن الأسود: أن علي بن أبي طالب أمره أن يسأل رسول الله عن الرجل إذا دنا من امرأته فخرج منه المذي: ماذا عليه؟ فإن عندي ابنته وأنا أستحي أن أسأله! فسألت رسول الله عن ذلك فقال: "إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة". ما قيل عن المقداد بن الأسود : وقال أبو ربيعة الأيادي، عن عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه، عن النبي : "إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم: علي، والمقداد, وأبو ذر، وسلمان", أخرجه التِّرمِذي وابن ماجه؛ وسنده حسن. وفاة المقداد بن الأسود : - أخرج يعقوب بن سفيان، وابن شاهين، من طريقه بسنده إلى كريمة بنت المقداد قالت: كان المقداد عظيم البطن، وكان له غلام روميّ، فقال له: أشق بطنك فأخرج من شحمه حتى تلطف، فشق بطنه، ثم خاطه؛ فمات المقداد، وهرب الغلام. - واتفقوا على أنه مات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان. قيل: وهو ابن سبعين سنة. - مات في سنة ثلاث وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان وقبره بالبقيع . المراجع : الإصابة في تمييز الصحابة. الاستيعاب. البداية والنهاية. [b]السيرة لابن حبان.[/b]
  24. الحمد لله الذي نزل الذكر ، و حفظه على ممر الأزمان، فقيض له عدولا يحملون العلم في كل عصر، و أوان،لينفوا عنه تحريف الجاهلين، و انتحال المبطلين، و غلوا الغالين من أهل الكذب و الهوان، أحمده على تماما الإحسان، و أشكره على كمال الإمتنان. و أشهد أن لا إله إلا الله الملك الديان و أشهد أن محمدا عبده و رسوله إلى الخلائق أملاكها، وإنسها، و الجان، صلى الله عليه و على أصحابه أهل الجد و العرفان، و على التابعين لهم بإحسان من كل من حفظ الشريعة، و لها صان، صلاة و سلاما دائمين، ما تعاقب الملوان، و تتابع الجديدان بيانُ أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء[url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][b][1][/b][/url] قال الإمام ولي الله الدهلوي في الحجة البالغة: "اعلم أن الله تعالى أنشأ بعد عصر التابعين نشئا من حملة العلم إنجازا لما وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث قال " يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ ، يَنْفُونَ عَنهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ ".[url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][2][/url] فأخذوا عمن اجتمعوا معه منهم صفة الوضوء والغسل والصلاة والحج والنكاح والبيوع وسائر ما يكثر وقوعه ، ورووا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا قضايا قضاة البلدان وفتاوى مفتيها ، وسألوا عن المسائل واجتهدوا في ذلك كله، ثم صاروا كبراءَ قوم ووسِّد إليهم الأمرُ فنسجوا على منوال شيوخهم، ولم يألوا في تتبع الإيماآت والاقتضاآت فقضوا وأفتوا ورووا وعلموا ، وكان صنيع العلماء في هذه الطبقة متشابهاً ، وحاصلُ صنيعهم أن يتمسك بالمسنَد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرسلٍ جميعا، ويستدلُّ بأقوال الصحابة والتابعين علما منهم أنها إما أحاديث منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتقروها فجعلوها موقوفة، فعَن إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ " فَقِيلَ لَهُ : أَمَا تَحْفَظُ عَن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا ، قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنْ أَقُولُ قَالَ : عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ عَلْقَمَةُ ، أَحَبُّ إِلَيَّ .[url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][3][/url] وعن عَاصِمَ قَالَ : سَأَلْتُ الشَّعْبِىَّ عَن حَدِيثٍ فَحَدَّثَنِيهِ فَقُلْتُ : إِنَّهُ يُرْفَعُ إِلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-. فَقَالَ : لاَ ، عَلَى مَن دُونَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أَحَبُّ إِلَيْنَا ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ كَانَ عَلَى مَن دُونَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-[url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][4][/url]. أو يكون استنباطاً منهم من المنصوص ، أو اجتهادا منهم بآرائهم ، وهم أحسنُ صنيعا في ذلك ممن يجيء بعدهم ، وأكثرُ إصابةً ، وأقدمُ زماناً ، وأوعَى علماً، فتعيَّنَ العملُ بها، إلا إذا اختلفوا وكان حديثُ رسول الله r يخالفُ قولُهم مخالفةً ظاهرةً، وأنه إذا اختلفتْ أحاديثُ رسول الله r في مسألةٍ رجعوا إلى أقوال الصحابة، فإن قالوا بنسخ بعضها أو بصرفه عن ظاهره أو لم يصرحوا بذلك، ولكن اتفقوا على تركه وعدم القول بموجبه، فإنه كإبداء علَّةٍ فيه أو الحكم بنسخه أو تأويله اتبعوهم في كل ذلك ، وهو قول مالك في حديث ولوغ الكلب جاء هذا الحديث ولكن لا أدري ما حقيقته ، حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول يعني لم أر الفقهاء يعملون به ، وأنه إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين في مسألة فالمختارُ عند كلِّ عالمٍ مذهبُ أهل بلده وشيوخه، لأنه أعرفُ بصحيح أقاويلهم من السقيم ، وأوعى للأصول المناسبة لها، وقلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم، فمذهب عمر وعثمان وابن عمر وعائشة وابن عباس وزيد بن ثابت وأصحابهم مثلُ سعيد بن المسيب، فإنه كان أحفظَهم لقضايا عمر وحديث أبي هريرة ، ومثل عروة وسالم وعكرمة وعطاء بن يسار وقاسم وعبيد الله بن عبد الله والزهري ويحيى بن سعيد وزيد بن أسلم وربيعة وأمثالهم أحقُّ بالأخذ من غيره عند أهل المدينة لما بينَه النبيُ r في فضائلِ المدينة، ولأنها مأوى الفقهاءِ ، ومجمعُ العلماء في كل عصر ، ولذلك ترى مالكا يلازم محجتهم ، وقد اشتهر عن مالك أنه متمسك بإجماع أهل المدينة، وعقد البخاريُّ بابا في الأخذ بما اتفق عليه الحرمانِ. ومذهب عبد الله بن مسعود وأصحابه وقضايا علي وشريح والشعبي وفتاوى إبراهيم أحق بالأخذ عند أهل الكوفة من غيره ، وهو قول علقمة حين مال مسروق إلى قول زيد بن ثابت في التشريك قال : هل أحد منهم أثبت من عبد الله ؟ فقال : لا ،ولكن رأيت زيد بن ثابت وأهل المدينة يشركون، فإن اتفق أهلُ البلد على شيء أخذوا عليه بالنواجذ، وهو الذي يقول في مثله مالك: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا كذا وكذا ،وإن اختلفوا أخذوا بأقواها وأرجحها، إما لكثرة القائلين به أو لموافقته لقياس قويٍّ ،أو تخريج من الكتاب والسُّنَّة ، وهو الذي يقول في مثله مالك :هذا أحسن ما سمعت ، فإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألةِ خرَّجوا من كلامهم ، وتتبعوا الإيماء والاقتضاء، وألهموا في هذه الطبقة التدوينَ ، فدوَّن مالكٌ ومحمدُ بن عبد الرحمن بن أبي ذئب بالمدينة ، وابنُ جريج وابنُ عيينة بمكة ، والثوريُّ بالكوفة ، والربيعُ بن صبيح بالبصرة ، وكلُّهم مشوا على هذا النهج الذي ذكرته. عن مُحَمَّدَ بْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ : " لَمَّا حَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنصُورُ دَعَانِي فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَحَدَّثْتُهُ وَسَأَلَنِي فَأَجَبْتُهُ ، فَقَالَ : إِنِّي قَدْ عَزَمْتُ أَنْ آمُرَ بِكُتُبِكَ هَذِهِ الَّتِي وَضَعْتَهَا - يَعْنِي الْمُوَطَّأَ - فَيُنْسَخُ نُسَخًا ثُمَّ أَبْعَثُ إِلَى كُلِّ مِصْرٍ مِن أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنهَا نُسْخَةً وَآمُرُهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا لَا يَتَعَدَّوْنَ إِلَى غَيْرِهِ , وَيَدَعُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِن هَذَا الْعِلْمِ الْمُحْدَثِ ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُ أَصْلَ الْعِلْمِ رِوَايَةَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعِلْمَهُمْ، قَالَ : فَقُلْتُ : " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ سَبَقَتْ إِلَيْهِمْ أَقَاوِيلُ وَسَمِعُوا أَحَادِيثَ وَرَوَوْا رِوَايَاتٍ وَأَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا سَبَقَ إِلَيْهِمْ وَعَمِلُوا بِهِ وَدَانُوا بِهِ مِنَ اخْتِلَافِ النَّاسِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ r وَغَيْرَهُمْ ، وَإِنَّ رَدَّهُمْ عَمَّا اعْتَقَدُوهُ شَدِيدٌ ، فَدَعِ النَّاسَ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ وَمَا اخْتَارَ كُلُّ أَهْلِ بَلَدٍ لِأَنْفُسِهِمْ ، فَقَالَ : لَعَمْرِي لَوْ طَاوَعْتَنِي عَلَى ذَلِكَ لَأَمَرْتُ بِهِ" وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْإِنْصَافِ لِمَن فَهِمَ "[url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][5][/url] وكان مالك رضي الله عنه أثبتهم في حديث المدنيين عن رسول الله r وأوثقهم إسنادا وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة ، وبه وبأمثاله قام علمُ الروايةِ والفتوى ، فلما وسِّدَ إليه الأمرُ حدَّث وأفتى وأفاد وأجاد ، وعليه انطبق قول النبي r « يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلاَ يَجِدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِن عَالِمِ الْمَدِينَةِ ».على ما قاله ابن عيينة وعبد الرزاق.[url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][6][/url] وناهيك بهما، فجمع أصحابُه رواياته ومختاراته ولخصوها وحرروها وشرحوها، وخرَّجوا عليها وتكلَّموا في أصولها ودلائلها ، وتفرقوا إلى المغرب ونواحي الأرض فنفع الله بهم كثيرا من خلقه، وإن شئت أن تعرف حقيقة ما قلناه من أصل مذهبه فانظر في كتاب الموطأ تجده كما ذكرنا . وكان أبو حنيفة رضي الله عنه ألزمَهم بمذهب إبراهيم وأقرانه ، لا يجاوزه إلا ما شاء الله ، وكان عظيمَ الشأن في التخريج على مذهبه دقيقَ النظر في وجوه التخريجات، مقبلاً على الفروع أتمَّ إقبالٍ، وإن شئتَ أن تعلمَ حقيقةَ ما قلناه، فلخِّص أقوالَ إبراهيم من كتاب الآثارِ لمحمد رحمه الله ، وجامع عبد الرزاق، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ثم قايسْه بمذهبِه تجدْه لا يفارقُ تلك المحجَّة إلا في مواضع يسيرة، وهو في تلك اليسيرةِ أيضاً لا يخرجُ عما ذهب إليه فقهاءُ الكوفةِ . وكان أشهرَ أصحابه ذكرا أبو يوسف تولَّى قضاءَ القضاة أيام هارون الرشيد ، فكان سبباً لظهورِ مذهبه، والقضاء به في أقطارِ العراق وخراسانِ وما وراء النهرِ، وكان أحسنَهم تصنيفاً وألزمَهم درساَ محمدُ بنُ الحسن، فكان منْ خبره أنه تفقَّه على أبي حنيفة وأبي يوسف ثم خرج إلى المدينة فقرأ الموطأ على مالك، ثمَّ رجع إلى بلده فطبَّقَ مذهبَ أصحابهِ على الموطأ مسألةً مسألةً ، فإنْ وافقَ منها ، وإلا فإن رأى طائفة من الصحابة والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك ، وإن وجدَ قياساً ضعيفاً أو تخريجاً ليِّناً يخالفُه حديثٌ صحيحٌ مما عملَ به الفقهاءُ أو يخالفُه عملُ أكثرِ العلماء تركَهُ إلى مذهبٍ من مذاهبِ السلف، مما يراه أرجحُ ما هناك، وهما أي أبو يوسف ومحمد لا يزالان على محجة إبراهيم ما أمكن لهما، كما كان أبو حنيفة رحمه الله يفعل ذلك ، وإنما كان اختلافُهم في أحد شيئينِ : إما أن يكون لشيخهما تخريجٌ على مذهب إبراهيم يزاحمانه فيه ، أو يكون هناك لإبراهيمَ ونظرائه أقوالٌ مختلفةٌ يخالفانِ شيخهما في ترجيحِ بعضهما على بعض، فصنَّف محمدٌ رحمه الله وجمعَ رأي هؤلاء الثلاثةِ، ونفع كثيرا من الناس فتوجَّه أصحابُ أبي حنيفة رضي الله عنه إلى تلك التصانيف تلخيصاً وتقريباً أو شرحاً أو تخريجاً أو تأسيساً أو استدلالاً ، ثم تفرقوا إلى خراسان وما وراء النهر فسميَ ذلك مذهبُ أبي حنيفة ،وإنما عدَّ مذهبُ أبي حنيفةَ مع مذهب أبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى واحداً، مع أنهما مجتهدان مطلقانِ مخالفتهما غير قليلةٍ في الأصول والفروع، لتوافقِهم في هذا الأصل ، ولتدوين مذاهبهم جميعاً في المبسوطِ والجامعِ الكبيرِ. ونشأ الشافعيُّ رضي الله عنه في أوائل ظهور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما ، فنظر في صنيع الأوائل فوجدَ فيه أموراً، كبحتْ عنانَه عن الجريان في طريقهم وقد ذكرها في أوائل كتابه الأم : (1)- منها أنه وجدهم يأخذون بالمرسلِ والمنقطعِ فيدخل فيهما الخللُ، فإنه إذا جمع طرق الحديث يظهرُ أنه كمْ من مرسلٍ لا أصلَ له ، وكم من مرسلٍ يخالفُ مسنداً، فقرر ألا يأخذَ بالمرسَل إلا عند وجود شروطٍ، وهي مذكورة في كتب الأصولِ . (2)- ومنها أنه لم تكنْ قواعدُ الجمعِ بين المختلفات مضبوطةٌ عندهم ، فكان يتطرقُ بذلك خللٌ في مجتهداتِهم ، فوضع لها أصولاً، ودوَّنها في كتاب، وهذا أولُ تدوينٍ كان في أصول الفقه . مثاله ما بلغنا أنه دخل على محمد بن الحسن وهو يطعنُ على أهل المدينة في قضائهم بالشاهدِ الواحدِ مع اليمينِ، ويقول: هذا زيادة على كتاب الله، فقال الشافعي: أثبَتَ عندك أنه لا تجوزُ الزيادةُ على كتاب اللهِ بخبرِ الواحدِ ؟ قال: نعم ، قال: فلم قلت: إن الوصية للوارث لا تجوز لقوله r: ألا لا وصية لوارث ، وقد قال الله تعالى { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (181) سورة البقرة، وأورد عليه أشياء من هذا القبيل فانقطع كلامُ محمد بن الحسن . (3) ومنها أن بعض الأحاديث الصحيحة لم تبلغ علماء التابعين ممن وسِّد إليهم الفتوى فاجتهدوا بآرائهم أو اتبعوا العموميات أو اقتدوا بمن مضَى من الصحابة فأفتوا حسب ذلك ، ثم ظهرتْ بعد ذلك في الطبقة الثالثة فلم يعملوا بها ظنًّا منهم أنها تخالفُ عملَ أهلِ مدينتِهم وسنَّتِهم التي لا اختلاف لهم فيها، وذلك قادحٌ في الحديثِ أو علةٌ مسقطةٌ له، أو لم تظهرْ في الثالثة وإنما ظهرتْ بعد ذلك عندما أمعنَ أهلُ الحديث في جمعِ طرقِ الحديثِ، ورحلوا إلى أقطارِ الأرض وبحثوا عن حملة العلم. فكثيرٌ من الأحاديث لا يرويه من الصحابة إلا رجلٌ أو رجلانِ، ولا يرويه عنه أو عنهما إلا رجلٌ أو رجلانِ وهلم جرا، فخفيَ على أهل الفقهِ، وظهر في عصر الحفَّاظ الجامعينَ لطرق الحديث. وكثيرٌ من الأحاديث رواهُ أهل البصرة مثلاً وسائرُ الأقطار في غفلةٍ عنه، فبيَّنَ الشافعيُّ رحمه الله تعالى أنَّ العلماءَ من الصحابة والتابعين لم يزلْ شأنُهم أنهم يطلبونَ الحديثَ في المسألة ، فإذا لم يجدوا تمسَّكوا بنوع آخر من الاستدلال، ثم إذا ظهر عليهمُ الحديثُ بعدُ رجعوا عن اجتهادهم إلى الحديثِ، فإذا كان الأمر على ذلك لا يكونُ عدمُ تمسُّكهم بالحديث قدحاً فيه، اللهم إلا إذا بيَّنوا العلَّة القادحةَ. مثاله حديثُ القلَّتين، فإنه حديثٌ صحيحٌ روي بطرق كثيرةٍ معظمُها ترجعُ إلى نسخةِ الوليدِ، أو أبي الوليد بن كثيرٍ عن محمد بن جعفر بن الزبير ،أو محمد بن عباد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله وكلاهما عن ابن عمر ثم تشعبت الطرق بعد ذلك. وهذان وإنْ كانا من الثقات لكنهما ليسا ممن وسِّدَ إليهم الفتوَى وعوَّل الناسُ عليهم، فلم يظهرِ الحديثُ في عصر سعيد بن المسيب، ولا في عصر الزهري ، ولم يمشِ عليه المالكيةُ، ولا الحنفيةُ ، فلم يعملوا به، وعمل به الشافعيُّ .[url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][7][/url] وحديث خيار المجلس فإنه حديث صحيح [url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][8][/url]روي بطرق كثيرة، وعمل به ابن عمر وأبو هريرة من الصحابة، ولم يظهر على الفقهاء السبعة ومعاصريهم فلم يكونوا يقولون به فرأى مالك وأبو حنيفة أن هذه علةٌ قادحةٌ في الحديث، وعمل به الشافعيُّ (4) ومنها أن أقوال الصحابة جمعت في عصر الشافعيِّ فتكثرت واختلفت وتشعبت، ورأى كثيراً منها يخالفُ الحديثَ الصحيحَ حيث لم يبلغهم ، ورأى السَّلفَ لم يزالوا يرجعون في مثل ذلك إلى الحديث، فتركَ التمسكَ بأقوالهم ما لم يتفقوا ، وقال : هم رجال ونحن رجال. (5) ومنها أنه رأى قوماً من الفقهاء يخلُطون الرأيَ الذي لم يسوِّغه الشرعُ بالقياس الذي أثبته، فلا يميزون واحداً منهما من الآخر ،ويسمونه تارةً بالاستحسان ، وأعني بالرأي أن ينصبَ مظنِّةَ حرجٍ أو مصلحةٍ علةً لحكمٍ، وإنما القياسُ أن تخرجَ العلةُ من الحكم المنصوصِ، ويدارُ عليها الحكمُ ، فأبطلَ هذا النوعَ أتمَّ إبطالٍ، وقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَن اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّع[url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][9][/url]، فإنه أراد أن يكون شارعاً حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول،مثاله رشدُ اليتيم أمرٌ خفيٌّ، فأقاموا مظِنَّة الرشدِ- وهو بلوغُ خمسٍ وعشرينَ سنةً -مقامهُ، وقالوا : إذا بلغَ اليتيمُ هذا العمرَ سلِّمَ إليه مالهُ، قالوا : هذا استحسانٌ، والقياسُ ألا يسلَّمَ إليهِ . وبالجملةِ فلمَّا رأى الشافعيُّ في صنيع الأوائل مثلَ هذه الأمور أخذَ الفقهَ منَ الرأسِ، فأسسَ الأصولَ، وفرَّعَ الفروعَ، وصنَّف الكتبَ فأجادَ وأفادَ، واجتمعَ عليها الفقهاءُ، وتصرَّفوا فيها اختصاراَ وشرحاً واستدلالاً وتخريجاً ، ثمَّ تفرَّقوا في البلدانِ فكانَ هذا مذهبُ الشافعيِّ رحمَهُ اللهُ تعالَى " . [url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][1][/url] - حجة الله البالغة - (ج 1 / ص 280) [url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][2][/url] - عدي 1/152 و153 و3/904 وبداية 10/337 وعقيلي 1/9 و10 و4/256 وشرف 14و 52 و 53 و 55 و 56 حسن لغيره [url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][3][/url] - سنن الدارمى (273) صحيح المحاقلة : هى المزارعة على نصيب معلوم = المزابنة : بيع ثمر النخل بالتمر كيلا وبيع العنب بالزبيب كيلا [url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][4][/url] - سنن الدارمى (272) حسن [url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][5][/url] - جامع بيان العلم : (622 ) وابن سعد ( 6606 ) وغيرهما وهي صحيحة [url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][6][/url] - سنن الترمذى (2896 ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَقَدْ رُوِىَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ فِى هَذَا سُئِلَ مَنْ عَالِمُ الْمَدِينَةِ فَقَالَ إِنَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ . وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ هُوَ الْعُمَرِىُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزَ الزَّاهِدُ. وَسَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مُوسَى يَقُولُ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هُوَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. وَالْعُمَرِىُّ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِن وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. [url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][7][/url] - ففي سنن الترمذى (67 )عَن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يُسْأَلُ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِى الْفَلاَةِ مِنَ الأَرْضِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ ». قَالَ عَبْدَةُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقُلَّةُ هِىَ الْجِرَارُ وَالْقُلَّةُ الَّتِى يُسْتَقَى فِيهَا. قَالَ أَبُو عِيسَى وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِىِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ قَالُوا إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَىْءٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ وَقَالُوا يَكُونُ نَحْوًا مِن خَمْسِ قِرَبٍ. = القلة : الجرة العظيمة ،وانظر تخريجه وطرقه والحكم عليه مفصلا في البدر المنير - (ج 1 / ص 404) [url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][8][/url] - عَن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - r- قَالَ « الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا ، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا » . البخاري رقم(2082) وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - r- « الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ » . وَرُبَّمَا قَالَ أَوْ يَكُونُ بَيْعَ خِيَارٍ . صحيح البخارى( 2109 ) [url=http://www.-- # %D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9 %D9%85%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A9 #][9][/url] - الإحكام في أصول الأحكام - (ج 2 / ص 459) والمستصفى - (ج 1 / ص 432) وأنوار البروق في أنواع الفروق - (ج 7 / ص 381) وكشف الأسرار - (ج 7 / ص 104) والبحر المحيط - (ج 7 / ص 364) والتقرير والتحبير - (ج 5 / ص 448)
  25. ان الحمد لله ، نحمده و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور انفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله صل الله عليه و على آله و أصحابه و من تبعهم بإحسان الى يوم الديـــن ، أما بعد ... أهـــلا بكـم أحبائنا زوار و رواد و اعضاء منتدى السنة النبوية الشريفة ... صيغ التكبير الثابتة عن السلف🔻 ١- " الله أكبر ، الله أكبر ، لاإله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد " قال ابن قدامة : "وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وبه قال الثوري وابو حنيفة وأحمد واسحاق" [المغني (3/290) ] . وممن اختار هذا القول : شيخ الإسلام [الفتاوى (24/220) ] . و الحافظ ابن رجب [لطائف المعارف (ص364) ] . والشيخ الألباني [تمام المنة (ص356) ] . والشيخ ابن عثيمين [الشرح الممتع (5/225) ] . ٢- " الله أكبر كبيراً ، الله أكبر كبيرا ، الله أكبر وأجل ، الله أكبر ولله الحمد " ، رويت عن ابن عباس روى هذه الصيغة الدارقطني في سننه [(2/25) (1721) وابن أبي شيبة ١/٤٩٠ .. وصححه الألباني في الإرواء [(3/126)] . ٣- " الله أكبر كبيراً ، والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله بكرة وأصيلا " رواه البيهقي عن الشافعي في معرفة السنن (٥/١٠٩) ، واختارها النووي في الأذكار [الأذكار (ص202) ] . ٤- " الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد " روي عن ابن مسعود .. [رواه ابن ابي شيبة في مصنفه (2/165)] . ٥- " لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد" قال الشوكاني : "جاء عن عمر وابن مسعود" [نيل الأوطار (3/330) ] . ٦- " الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر " وبه قال ابن عباس و مالك والشافعي .. [المغني (3/290) طبعة دار الهجرة] . ٧- " الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر كبيراً " رواه البيهقي عن سلمان [السنن الكبرى (3/316) ] ، واختاره ابن حجر [فتح الباري (2/462) ] ، والشوكاني [نيل الأوطار (3/330) ] . ٨- " الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد ، الله أكبر وأجل ، الله أكبر على ما هدانا " رواه البيهقي عن ابن عباس [السنن الكبرى (3/315) ] ، وقال الألباني سنده صحيح [الإرواء (3/125) ] .
×
×
  • اضف...

Important Information

We have placed cookies on your device to help make this website better. You can adjust your cookie settings, otherwise we'll assume you're okay to continue.