Jump to content
أحلى نادي لأحلى أعضاء
Search In
  • More options...
Find results that contain...
Find results in...
Save
نادي جامعة القاهرة للتعليم المفتوح
Hamdy Tawfik-manar9

التجربة الماليزية في التنمية الإنسانية

Recommended Posts

التجربة الماليزية في التنمية الإنسانية

جامعة عين شمس مركز الدراسات المعرفية

كلية الآداب بالقاهرة قسم الاجتماع

التحديث و التغير في مجتمعاتنا؛ تقييم للتجارب و استكشاف للآفاق

التجربة الماليزية في التنمية الإنسانية؛ أضواء و دروس

دكتور/ علي عبد الرازق جلبي

أستاذ علم الاجتماع – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية

أبريل 2008

مقدمة


تمثل ماليزيا واحدة من التجارب الناجحة في مجال تصميم، و إنجاز، و تنسيق السياسات الاجتماعية بين الدول النامية، و قد حققت تقدما ملحوظا في ميدان التنمية الاجتماعية و الاقتصادية. والهدف الأولي من متابعة هذه التجربة، هو البحث عن إطار توجيهي و استرشادي منها، ليس بقصد إعادة تطبيقها كما حدثت بالضبط؛ و إنما بهدف التعرف على المواقف الاقتصادية، و المؤسسية، والسياسية المختلفة التي تعوق إمكانية عدم تطبيقها، و ذلك في إطار المفهوم الحديث للسياسة الاجتماعية كما تبلور أخيرا في تراث دراسات التنمية، و كذلك التعرف على المناهج و الآليات المستخدمة في التصميم و الإنجاز و التنسيق، و كذلك تقويم السياسات التي اتبعتها ماليزيا، و فهم المتغيرات الحاكمة في هذا الصدد، و التوصية بالمقترحات المحددة التي قد تساعد في صياغة رؤية اجتماعية شاملة ربما تبنتها مجموعة البلدان العربية و الإسلامية لتحديث تجاربها التنموية، أو تعزيز و دعم هذه التجارب

و ربما كان من المنطقي في البداية أن نتوقف أمام حالة ماليزيا بالتعريف، و تأكيد أهمية دراسة تجربتها التنموية، و توضيح الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها من وراء هذه الدراسة. و تقع ماليزيا في جنوب شرق آسيا قرب خط الاستواء، و تبلغ مساحتها 329.757 كيلو مترا مربعا، و تتكون من شبه جزيرة ماليزيا ( ماليزيا الغربية )، و صباح، و سراواك، و ولاية لابوان الفيدرالية ( ماليزيا الشرقية )، و تدخل في أرخبيل الملايو؛ و هي مجموعة جزر متقاربة، و تمثل أكبر أرخبيل في العالم، بينها جزر أندونيسيا، و الملايو، و الفلبين، و سنغافورة، و بروناي. و قد بلغ عدد سكان ماليزيا أخيرا 22 مليون نسمة، ينقسمون إلى مجموعات عرقية رئيسة لكل منها دينها، و لغتها، وحضارتها، و تمثل أكثر الشعوب تعددية في العالم؛ أهمها شعب الملايو، و هو أكبر و أهم هذه المجموعات - 57 % في ماليزيا الغربية، و 55 % في ماليزيا الشرقية - لأنه يتمتع بمكانة متميزة بين باقي الأعراق؛ حيث ينص دستور البلاد على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، و اللغة الملايوية هي اللغة الرسمية للبلاد، يليهم الصينيون و نسبتهم 28 % في ماليزيا الغربية، و 23 % في ماليزيا الشرقية، و هم يسيطرون على معظم الاقتصاد خاصة التجارة و السياحة، و تنتشر بينهم البوذية، و بعضهم اعتنق النصرانية، ثم الهنود و نسبتهم 10 % في ماليزيا الغربية، و 1 % في ماليزيا الشرقية، و يعملون في الزراعة، و الصناعة، و مزارع المطاط. و بلغ معدل الكثافة السكانية 59.1 في كل كيلو متر مربع، و معدل نمو السكان 3.2 % سنويا. و تتألف ماليزيا من 13 ولاية، بالإضافة إلى العاصمة الاتحادية كوالالمبور ( 1

و تتضح أهمية دراسة التجربة الماليزية في التنمية، أولا في أن ماليزيا تعتبر بمثابة نموذجا أكثر صلاحية للاستفادة من تجربتها في البلدان العربية و الإسلامية، و التعرف على ما تنطوي عليه من آليات و محركات للنهضة. و هي تجربة أثبتت تميزها بين مجموعة البلدان المصنعة حديثا أو النمور الآسيوية في جنوب شرق آسيا، و هو الأمر الذي تم الاعتراف به على المستويين الإقليمي و العالمي؛ بفضل الدور الذي قامت به دولة ماليزيا في مجال تخطيط و تنفيذ عملية التنمية؛ بهدف التصدي لمشكلاتها العرقية و الاجتماعية دون تفريط في قيمها الثقافية و الاجتماعية الخاصة، و قدمت نموذجا تنمويا فريدا يجمع بين أصالة التراث الماليزي، و حداثة التكنولوجيا المعاصرة.

و بناء عليه، تسعى الورقة الحالية إلى تسليط الضوء على الأبعاد المختلفة للسياسة الاجتماعية في ماليزيا و تحليلها في سياق التنمية، بالتركيز على السمات العامة لها، و تطورها، و تشكيلها، وصياغتها، و معرفة الإطار المؤسسي لها، و تكاملها مع الخطط الاقتصادية و القومية للتنمية والتنسيق بين عناصرها. و كذلك، التعرف على مستويات التنمية البشرية في ماليزيا و تحليل مؤشراتها في ضوء أهداف الألفية الثالثة، بالتركيز على إنجازاتها في تنمية الموارد البشرية؛ وخاصة في مجالات الصحة، و التعليم، و تحقيق هدف التشغيل الكامل، و الأمن الاجتماعي، والقضاء على الفقر، ثم محاولة استخلاص الدروس المستفادة من تحليل واقع التجربة الماليزية، سواء أكانت دروسا تعكس نجاحا حقيقيا لهذه التجربة، أو الكشف عن عناصر القوة و أهم المتغيرات التي حكمت التجربة الماليزية في التنمية و النهضة.

و لذلك، تم تقسيم الورقة إلى العناصر التالية، أولا: التجربة الماليزية في التراث و الدراسات السابقة؛ الأهمية و الأهداف، و ثانيا: السياسة الاجتماعية و سياق التنمية في ماليزيا، و ثالثا: مستويات التنمية البشرية في ماليزيا و أهداف الألفية الثالثة، و أخيرا، الدروس المستفادة من التجربة الماليزية في التنمية

أولا: التجربة الماليزية في التراث و الدراسات السابقة؛ الأهمية و الأهداف

تمتد التجربة الماليزية في التاريخ إلى أكثر من نصف قرن، بدأت منذ استقلالها عام 1957 واستمرت تنمو و تحقق طفرات واسعة و حتى الآن، على نحو استوقف الباحثين و المهتمين بتجارب التنمية في العالم. و كانت المحصلة تراثا ضخما و ثريا من الدراسات السابقة، كتب أغلبه باللغة الإنجليزية، و بعضه باللغة العربية؛ الأمر الذي قد يمثل صعوبة أمام أية محاولة للإحاطة بهذا التراث الهائل، أو حتى الإقدام على إضافة بعض الجديد في هذا الإطار. و لتجاوز هذه الصعوبة، كان من الضروري أن نختار من هذا التراث بعضه الذي قد يسهم في إلقاء الضوء على موضوع الدراسة الحالي ( التجربة الماليزية في التنمية الإنسانية: أضواء و دروس )، و نرصد بعض الثغرات والملاحظات، و التي ربما كان في معالجتها بعض الإضافة إلى هذا التراث ( 2).

ففي عام 2000 نشرت دراسة عن ( العرب و التجربة الآسيوية: الدروس المستفادة ) في محاولة لإجراء تقويم موضوعي لخبرة البلدان الآسيوية الناهضة في مجال التنمية و التطوير الاقتصادي والثقافي؛ و ذلك بهدف استخلاص الدروس لإنارة الطريق أمام راسمي السياسة في الأقطار العربية في مجال التنمية و النهوض الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي. و ركزت الدراسة على خمسة بلدان رئيسة هي ( سنغافورة، و ماليزيا، و كوريا الجنوبية، و تايلاند، و الصين )، و التي تمثل كلا منها تجربة متميزة في مجال التنمية المعجلة و النهضة الاقتصادية؛ بهدف الإجابة على سؤال أين يكمن الخط الجامع بينها؟ و كيف تقدمت بلدان آسيا و تخلفت الأقطار العربية. و قد انقسمت الدراسة إلى ثلاثة أقسام، قسم يركز على التجارب التنموية في هذه البلدان الآسيوية الخمسة؛ سنغافورة كنموذج منصة التصدير، و ماليزيا كتجربة للنمو السريع، و كوريا الجنوبية أنضج النمور الآسيوية، و تايلاند نمرآسيا المريض، و الصين تجربة السير على ساقين. و قدم القسم الثاني نظرة تحليلية تقويمية لأهم السياسات الإنمائية في هذه البلدان؛ السياسات الصناعية، و العلم و الثقافة، والاستثمارات الإقليمية، و اشتراكية السوق. و قدم القسم الثالث نظرة تقويمية جامعة لماهية وأساسيات نموذج التنمية و النهضة ( 3 ).
و رغم ثراء التجربة الآسيوية و تعدد أبعادها الاقتصادية، و التكنولوجية، و الاجتماعية، والسياسية، و الثقافية، و الحضارية ... الخ، فالملاحظ أن الدراسة قد استغرقت في إلقاء الضوء على الأبعاد الاقتصادية و التكنولوجية على نحو واضح، سواء بالنسبة للتجربة الآسيوية ككل، أو بالنسبة للتجربة الماليزية، و الاهتمام بتحليل الأخيرة بالمقارنة بمجموعة البلدان الآسيوية الأخرى المشار إليها، و ربما كان في تناول الأبعاد الاجتماعية و الحضارية في التجربة الماليزية خاصة ما يسمح باستخلاص بعض الدروس الهامة الأخرى. و في عام 2002 عقد اجتماع بين صناع السياسة حول السياسات الاجتماعية في منطقة الإسكوا ESCWA، و انطلاقا من مدخل نقدي للسياسات الاجتماعية لفهم تدهور الظروف الاجتماعية، و تحليل الأزمات الاجتماعية و التوترات التي تزايدت نتيجة للفشل في التعامل مع الآثار الاجتماعية لسياسات الإصلاح الاقتصادي، و التكيف الهيكلي الذي فرضته سياسات العولمة، و هو فشل يعزى في الأصل إلى السياسات الاجتماعية غير الكافية و التي تفتقر إلى التنسيق في البلدان الأعضاء. و لذلك، حدد الهدف من الاجتماع الذي عقد في القاهرة (10-12) ديسمبر 2002 في مساعدة الدول الأعضاء في الإسكوا على صياغة رؤية متكاملة أوسياسة اجتماعية يمكن إدماجها في الإطار الاقتصادي و الاجتماعي لهذه البلدان، و تطوير مفهوم للسياسات الاجتماعية، و مراجعة بعض التجارب الناجحة في ابتكار هذه السياسات في بعض البلدان المتقدمة مثل كندا و النرويج، و بعض البلدان التي حققت تنمية اقتصادية و اجتماعية ذات دلالة مثل كوريا، وماليزيا، و تونس، و تسليط الضوء على الخصائص السائدة للسياسات الاجتماعية في العالم العربي، و التركيز على مكانة السياسة الاجتماعية داخل الإطار الاقتصادي و الاجتماعي لكل بلد، والسياسات في مجالات التعليم، و التشغيل، و الصحة، و الأمن الاجتماعي، و دور الحكومة و المجتمع المدني ومؤسسات القطاع الخاص، و مراكز البحث المتخصصة، و المجالس البرلمانية، ثم الآليات التي تحتاجها عمليات التنسيق عند التخطيط و الإنجاز، و نماذج الدعم المادي و دعم الموارد المالية لصالح البرامج الاجتماعية. و قد انقسم التقرير الذي نشر عن هذا الاجتماع إلى ثلاثة أقسام، يتعلق الأول بتنظيم العمل، و يقدم الثاني ملخصا لأوراق العمل و المناقشات و كان من بينها ورقة حول التجربة الماليزية باعتبارها من بين النماذج الناجحة و الدروس المستفادة، أما القسم الأخير فإنه يعرض للمقترحات و التوصيات، و صياغة و تطبيق رؤية أو سياسة اجتماعية متكاملة في البلاد الأعضاء في الإسكوا؛ من حيث المفهوم، و الإطار العام، و صياغة و التنسيق بين السياسات على المستويات القومي و المنطقة، و المتابعة و التقويم، و توصيات تتعلق بوسائل الإعلام، و دور ومسؤولية الإسكوا( 4 ) . و قد سلط التقرير الضوء على خبرات الدول الأعضاء في الإسكوا و البلدان العربية في مجال محدد انحصر في السياسات الاجتماعية، و هو نفس الجانب الذي ركز عليه في تناول التجربة الماليزية باعتبارها نموذجا ناجحا يمكن استخلاص دروس هامة منه، و لكن ربما كان في الاهتمام بتسليط الضوء على أبعاد أخرى اجتماعية و حضارية في هذه التجربة الأخيرة ما قد يسمح باستخلاص مجموعة أخرى من الدروس المستفادة.

و في عام 2005 نشرت اللجنة الاقتصادية و الاجتماعية لغربي آسيا - الإسكوا تقريرا تحت عنوان ( نحو سياسات اجتماعية متكاملة في الدول العربية: إطار و تحليل مقارن ) بهدف تقديم تحليل للسياسات الاجتماعية، و التعرف على السبل الكفيلة برفع مستوى تكاملها و فاعليتها في الدول العربية، و هو تحليل مقارن يشمل دولا متقدمة و أخرى لا تزال في مراحل مختلفة من التطور مثل ماليزيا، و كوريا الجنوبية، و النرويج؛ و الهدف بالتحديد توضيح المقصود بالسياسة الاجتماعية، وتوضيح سياق السياسات الاجتماعية، و التعرف على العوامل الفاعلة و المنظمة، و توضيح وظائف السياسات الاجتماعية و تقويم نتائجها، و وصفها في سياق المشكلات الاجتماعية و التنمية المجتمعية، و وصف النماذج الحالية لمسار هذه السياسات كما تطبقها الدول التي يشملها التحليل، ووضع الخطوط العريضة لنموذج شامل، و تحديد و مناقشة الظروف التمكينية أو المانعة التي تؤثر على رسم السياسات و تنفيذها، و تقديم التوصيات. و قد انقسم التقرير إلى خمسة عناصر تغطي هذه الأهداف ( 5 ). و ربما كان التقرير تطويرا لما جرى من مناقشات في اجتماع صناع السياسة الذي عقد عام 2002 و المشار إليه سلفا، غير أن بحثه عن سياسات اجتماعية متكاملة في الدول العربية من خلال المقارنة مع دول متقدمة و أخرى في مراحل تطور و منها ماليزيا، و إغفاله عناصر أخرى اجتماعية و حضارية و إنسانية اشتملت عليها التجربة الأخيرة؛ ربما كان يدفعنا إلى تحري هذه العناصر بحثا عن دروس أخرى يمكن الاستفادة منها

و في نفس العام 2005 نشرت أعمال المؤتمر الأول الذي عقده برنامج الدراسات الماليزية التابع لمركز الدراسات الآسيوية لتحليل النموذج الماليزي للتنمية، و الذي انعقد في أبريل عام 2004. ومن خلال مجموعة أوراق بحثية، يمكن للباحث، و المثقف العربي، و القاريء العادي استخلاص أهم أبعاد التجربة التنموية الماليزية، و أهم عوامل نجاحها، و كيفية تخطيها للعقبات التي واجهتها. و يقع التقرير في أحد عشر فصلا، تناولت في مجملها مختلف جوانب النموذج الماليزي للتنمية؛ من حيث تحديات التنمية في ماليزيا: خلفية متعددة الأبعاد، و دور الدولة الماليزية في التنمية، و المتغير الثقافي و التنمية في ماليزيا، و السياسة التعليمية و تنمية الموارد البشرية في ماليزيا، و البعد الاقتصادي للتجربة التنموية الماليزية من حيث مصادر و تمويل التنمية، و دور الموارد الأجنبية في التجربة الماليزية، و استراتيجية التصنيع في ماليزيا، و العلاقة بين التنمية و الديموقراطية في ماليزيا، والنموذج الماليزي للتنمية و إدارة الأزمات، و البعد الاجتماعي في النموذج الماليزي للتنمية، والآثار المترتبة على التحولات في بنية النظام الدولي على النظام الإقليمي لمنطقة جنوب شرق آسيا؛ وبالتالي على ماليزيا. و ينطوي التقرير على دروس و عبر مستفادة من التجربة الماليزية، مما يعين صانع القرار السياسي في بلدان الجنوب على رسم و إدارة السياسات التنموية بأكبر قدر من الفاعلية و الكفاءة ( 6 ). و يسلط التقرير الضوء على النموذج الماليزي للتنمية، و على مختلف جوانب هذه التجربة الثرية، و بخاصة الأبعاد الاقتصادية، و السياسية، و الاجتماعية، و الثقافية، و الإدارية، وأثر بنية النظام الدولي على ماليزيا. و مع ذلك، لا يزال هناك جوانب أخرى في هذا النموذج في حاجة إلى مزيد من البحث، ربما كان في مقدمتها بعض ما يتعلق بالسياسة الاجتماعية في ماليزيا، خاصة السياسة الصحية، و سياسة الحماية الاجتماعية، و تخفيض الفقر ... الخ. فضلا عن بعض ما يتعلق بالدولة التنموية، و الوحدة القومية، و الأيديولوجية السياسية ...، و كلها جوانب تحتاج إلى تسليط الضوء عليها، و أن نتوقف عندها لاستخلاص الدروس المستفادة

و في عام 2007 نشرت دورية النهضة بحثا تحت عنوان ( التحولات الاقتصادية و الاجتماعية في البلدان الأقل تقدما: التجربة الماليزية )، و حدد هدفه في تسليط الضوء على الظروف التنموية الأساسية، و السياسات التي ساعدت على تحول المجتمع الماليزي المتخلف إلى أمة متقدمة، وتوضيح كيف أن البلدان المصنعة حديثا LDC الأخرى أن تستفيد من هذه التجربة في تحقيق التحول الاقتصادي و الاجتماعي. و لذلك، يركز المقال على ست نقاط أساسية؛ فحص الظروف الاقتصادية و الاجتماعية في ماليزيا، و دراسة السياسات التنموية الأساسية و الاستراتيجيات التي تم تبنيها منذ عام 1970، و تحليل قاعدة الموارد البشرية في ماليزيا، و تسليط الضوء على الإنجازات التنموية الرئيسة في هذا البلد، و مناقشة العوامل الأساسية و الظروف التي أسهمت في التحول الاقتصادي والاجتماعي في ماليزيا، و عرض للظروف الأساسية و السياسات الضرورية لمساعدة البلدان النامية الأخرى على أن تكسر الدائرة المفرغة للتخلف و تحقيق تحول اقتصادي اجتماعي إيجابي ( 7 ) . وعلى الرغم من أن البحث قد انطلق من تصور التحول الاقتصادي و الاجتماعي، و أضاف بعدا جديدا في تحليل التجربة الماليزية، إلا أنه لا تزال هناك مضامين لم يتم الكشف عنها في التجربة الماليزية، يرتبط بعضها بالسياسة الاجتماعية، و يتعلق بعضها الآخر بالتنمية البشرية، و تحتاج إلى التوقف عندها، و تسليط الأضواء عليها، و استخلاص الدروس المستفادة منها.

و في هذا السياق، نستطيع تأكيد أهمية دراسة التجربة الماليزية، و ذلك في ضوء نتائج هذه الدراسات السابقة؛ لأن التجربة الآسيوية في النهوض و التنمية لا تقتصر على تجربة النمور الأربعة، و إنما هناك بلدان مهمة أخرى أخذت تتقدم في مضمار السباق، و سوف تظهر قوتها بشكل أوضح في القرن القادم؛ مثل الصين، و ماليزيا، و الهند، و إندونيسيا. كما أن تجربة النمور قد نشأت في بلدان صغيرة الحجم – باستثناء كوريا الجنوبية – و بالتالي يسهل تحقيق زيادة ملموسة و سريعة في مستوى الدخل الفردي، و كذا مستوى الرفاهية للمجتمع في جملته، الأمر الذي يصعب حدوثه في البلدان ذات الكثافة السكانية الأعلى. و لذا، فإن النماذج الأكثر صلاحية للاستفادة من تجربتها في الوطن العربي و الإسلامي هي المجموعة التالية من بلدان آسيا الناهضة و في مقدمتها ماليزيا. لذلك، فإن فهم آليات و محركات النهضة على الطريقة الآسيوية، و في ظروف تاريخية مغايرة؛ يدفعنا إلى أن ندرس بعناية تجارب بلد مثل ماليزيا ( 8 ). و إنه من بين تجارب الدول الصناعية الجديدة في جنوب الشرق الآسيوي، يكتسب النموذج الماليزي للتنمية تميزه على المستويين الإقليمي و العالمي من خلال إدراكنا للدور المهم الذي قامت به الدولة الماليزية في تخطيط و تنفيذ عملية التنمية بهدف التصدي لمشكلاتها العرقية و الاجتماعية، و ذلك دون التفريط في قيمها الثقافية و الاجتماعية الخاصة. فلقد استطاعت ماليزيا أن تقدم نموذجا تنمويا فريدا يجمع بين أصالة التراث الماليزي، وحداثة التكنولوجيا المعاصرة ( 9

إذن هناك مجموعة من العوامل و الأسباب تؤكد أهمية دراسة التجربة الماليزية، و الاستمرار في تسليط الضوء على جوانبها التي لم تحظ باهتمام الدراسات السابقة، و استخلاص دروس أخرى يمكن أن تضاف إلى مجموعة الدروس التي سبق و أن كشفت عنها دراسات التراث، و يمكن الاستفادة منها في صياغة تجارب التنمية في عالمنا العربي و الإسلامي. و تأسيسا على ذلك، يمكن بلورة مجموعة من الأهداف و التساؤلات نحاول في الدراسة الحالية تحقيقها و الإجابة عليها
1

تسليط الضوء على الأبعاد المختلفة للسياسة الاجتماعية في ماليزيا و تحليلها في سياق التنمية، بالتركيز على السمات العامة لها، و تطورها، و تشكيلها أو صياغتها، و الإطار المؤسسي لها، وتكاملها مع الخطط الاقتصادية و القومية للتنمية، و التنسيق بين عناصرها

لأن السياسة الاجتماعية مسؤولية وطنية، و إن كل بلد عليه أن يحدد مساره الخاص في التنمية والتقدم. و هناك أهداف عامة كثيرة تلتزم الحكومات الوطنية و غيرها من الجهات الفاعلة على المسرح العالمي بالسعي إلى تحقيقها؛ و هي القضاء على الفقر و تحقيق التشغيل الكامل، و تعزيز الاندماج الاجتماعي في مجتمعات تكون مستقرة و آمنة و عادلة تحترم حقوق الإنسان. و هناك وصفات عالمية تعطي شرعية للسياسة الاجتماعية و لا غنى عنها في التنمية الاجتماعية هي بالذات: سيادة القانون، و الديموقراطية، و صلاح الحكم. كما أن السياسات لا توجد في فراغ و لا تعمل في فراغ، بل توجد داخل نظم معقدة لها معالم هيكلية و ديناميكية تشمل المجتمع بأسره و الثقافة بأسرها، و النظرة الواعية تراعي الجوانب المختلفة لهذه العلاقات المتداخلة و تأثيراتها المتبادلة التي لا يستهان بها ( 10 ).
و السؤال الذي يحتاج إلى إجابة هنا، ما الأهداف العامة التي تنطلق منها السياسة الاجتماعية في ماليزيا؟ و هل تتوافر لها الشرعية المطلوبة؛ من حيث سيادة القانون، و الديموقراطية، و صلاح الحكم؟ و ما طبيعة السياق الذي تعمل في ظله، و المعالم الديناميكية و الهيكلية لنظمه الاجتماعية والثقافية؟ و إلى أي حد كان السياق مواتيا؟

تختلف الدول اختلافا كبيرا فيما بينها في كيفية صياغة السياسات و تنفيذها، حيث تقوم السياسة الاجتماعية على ثلاثة نماذج أساسية: نموذج الصفوة، و فيه تتجه السياسات من أعلى إلى أسفل، ويكون فيه دور البيروقراطية بوجه عام هو التبرير و التنفيذ، و تكون المساءلة أساسا في يد الصفوة؛ و بالتالي تكون أقل تجاوبا مع قطاعات السكان الأكثر تضررا. ثم هناك نموذج توازن المصالح، ويكون مبنيا على مجتمع مدني قوي، و مجموعات مصالح جيدة التنظيم تكون هي الجسر بين الفرد والحكومة، و هو نموذج يسمح بالتوصل إلى الحلول الوسط و التنازلات اللازمة للنجاح في تنفيذ السياسات و الالتزام بالبرامج. و الملاحظ أن الفقراء و المحرومين هم أقل القطاعات قدرة على تنظيم الموارد و تعبئتها للتأثير على السياسات، و تترك لغيرهم أن يعبروا عن مصالحم و أن يضعوها أمام متخذ القرار. و النموذج الثالث نموذج العقلانية / العلمية، الذي يفترض معرفة تامة بقيم المجتمع وبدائل السياسات و نتائجها؛ لتضمن تحقيق توازن مقبول بين مكاسب السياسات و بين التضحيات المطلوبة أثناء تطبيقها. و هذه المعرفة نادرا ما تتوافر، و غالبا ما ينتهي هذا النموذج بتعبير المخططين عن مصالح الصفوة و تنفيذ هذه المصالح، أو بإحلال قيم المخططين محل قيم الصفوة(11). و السؤال هنا، ما معالم النموذج الذي تم على أساسه صياغة السياسة الاجتماعية في ماليزيا؟ الصفوة، أم توازن المصالح، أم نموذج العقلانية / العلمية؟ و إلى أي حد تحرص هذه الصياغة على التنسيق و التكامل بين عناصرها؟

و فيما يتعلق بالعلاقة بين السياسة الاجتماعية و التنمية، و ضرورة صياغة هذه السياسة في سياق التنمية، و أن تعمل السياسة الاجتماعية مرادفة للسياسة الاقتصادية؛ لتؤدي إلى تنمية اقتصادية و اجتماعية حقيقية. فلقد اتضح أن الاستمرار في بناء السياسة الاقتصادية على غرار نموذج قائد/تابع، بمعنى البدء بتحديد السياسة الخاصة بالاقتصاد الكلي؛ و التي تهتم بالنمو الاقتصادي، وتترك السياسة الاجتماعية لكي تهتم و تعنى بالآثار الاجتماعية لهذه السياسات الاقتصادية، غير أنه من الضروري تفعيل التعاون بين الإجراءات التي تعزز الرفاه و النمو الاقتصادي و اعتبارها مؤشرات متفاعلة و مكملة لبعضها البعض، و أنه ينبغي الربط بينها في نفس الوقت، و أن القضية ليست فقط مجرد سياسة صحية أو سياسة تعليمية، و إنما هي سياسة اجتماعية يجب إدماج هذه الإجراءات في داخلها على أساس متماسك؛ لأن غياب هذا الفهم الكلي للسياسات الاجتماعية يهدد بخطر واضح، و يدفع بالهيئات المتخصصة و المتباينة، والوزارات، و منظمات المجتمع المدني إلى التقاط متغيرات خاصة بها، و إغفال أو تناسي تماما علاقاتها الحاسمة بالمتغيرات الأخرى ( 12 ). وكان السؤال هنا، إلى أي حد تنطلق السياسة الاجتماعية في ماليزيا من رؤية تعمل على تفعيل التعاون بين الرفاه و النمو، و تتناولها باعتبارها مكملة لبعضها، و متفاعلة، و تدمج في داخلها مختلف المتغيرات؟ أو إلى أي حد تأخذ الأبعاد الاقتصادية، والاجتماعية، و السياسية في الاعتبار وفي نفس الوقت عند صياغة السياسة الاجتماعية؟

2

التعرف على مستويات التنمية البشرية في ماليزيا، و تحليل مؤشراتها في ضوء أهداف الألفية الثالثة، بالتركيز على إنجازاتها في تنمية الموارد البشرية في مجالات الصحة و التعليم، وتحقيق هدف التشغيل الكامل Full Employment، و تحقيق الأمن الاجتماعي، و تخفيض أوالقضاء على الفقر.

لقد عمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على وضع مجموعة مختصرة من الغايات و الأهداف العديدة، و المؤشرات القابلة للحساب؛ لتقدير مدى التقدم في التنمية. و تضمنت مجموعة أهداف التنمية في الألفية الثالثة ثماني غايات، و ثمانية عشر هدفا، و ثمانية و أربعون مؤشرا، و التي تم الاتفاق عليها في المؤتمرات الدولية، و مؤتمرات القمة، و إعلان الألفية ( سبتمبر 2000 )، و أنه من المستهدف تحقيق هذه الأهداف في الفترة ما بين عامي 1990 – 2015. و تعالج أهداف التنمية الدولية أكثر الرغبات البشرية إلحاحا، و هي إيجاد عالم متحررمن الفقر، و متحرر من البؤس الذي يتسبب فيه الفقر.و يعالج كل من هذه الأهداف أحد مظاهر الفقر، و يعزز كل منها الأهداف الأخرى؛ مثل ارتفاع معدل القيد في المدارس و لا سيما بالنسبة للبنات، و تخفيض أعداد الفقراء و معدلات الوفيات. و تنحصر غايات التنمية في الألفية الثالثة في القضاء على حدة الفقر و الجوع، و تحقيق التعليم الأساسي الشامل، و المساواة في النوع، و تمكين المرأة، و خفض معدلات وفيات الأطفال، وتحسين الصحة الإنجابية، و مقاومة أمراض نقص المناعة المكتسبة ( الإيدز ) و الملاريا و غيرها من الأمراض، و ضمان الحفاظ على استدامة الموارد البيئية، و تطوير شراكة عالمية للتنمية (13). والسؤال هنا، ما سمات دليل التنمية البشرية في ماليزيا ؟ باعتباره مؤشرا مركبا يعكس بصورة أكثر شمولا الأبعاد الأساسية للتنمية، و يتكون من ثلاث أدلة فرعية: ( أ ) دليل توقع الحياة كمؤشر للصحة، ( ب ) دليل التعليم كمؤشر على المعرفة، ( ج ) دليل الناتج المحلي الإجمالي كمؤشر على الوضع الاقتصادي، و ما ترتيب ماليزيا بين دول العالم طبقا لهذا المؤشر؟ و ما مدى اقتراب مستويات التنمية البشرية في ماليزيا من أهداف الألفية الثالثة و غاياتها، و توافر مؤشراتها؟ و ما الذي يجعلها تنمية إنسانية ؟ بمعنى أنها عملية مستمرة تعنى بتحقيق أهداف الألفية الثالثة
3
استخلاص دروس مستفادة من تحليلنا لواقع التجربة الماليزية، سواء أكانت دروس نجاح حقيقية في هذه التجربة، أو عناصر القوة، أو أهم المتغيرات التي حكمت تاك التجربة في التنمية والنهضة. لقد تمكنت بحوث التراث و الدراسات السابقة من خلال تحليل تجربة ماليزيا في إطار التجربة الآسيوية من ناحية، أو في إطار مقارن مع بعض الدول المتقدمة أو النامية من ناحية ثانية، أو في إطار بعض التصورات و المنطلقات النظرية مثل منظور التحولات الاقتصادية والاجتماعية من ناحية ثالثة؛ أن تستخلص مجموعة لابأس بها من الدروس المستفادة لإنارة الطريق أمام راسمي السياسة في الأقطار العربية في مجال التنمية و النهوض الاقتصادي، والاجتماعي، و الثقافي، و التي قد تعينه على رسم و إدارة السياسات التنموية بأكبر قدر من الفاعلية و الكفاءة. و السؤال هنا، ما الدور الذي يمكن أن تؤديه القيم و المعاني الدينية لدفع المجتمع في اتجاه التحديث؟ و كيف كانت القيم الآسيوية تشغل موضع الصدارة في منظومة القيم الأساسية الماليزية، و ساعدت على مواجهة ماليزيا لتحدي العولمة؟ و كيف أسهمت هذه القيم في تأكيد التكامل الثقافي، و ضرورة التواجد المشترك و المتجانس بين سكان ماليزيا الأصليين والمهاجرين من الصين و الهند و غيرها؟ و كيف أصبحت عناصر الثقافة الماليزية جزءا من الثقافة القومية، و لم تمنع اعتبار اللغة الماليزية لغة رسمية من الحفاظ على اللغات الأخرى؟ و لم يمنع اعتبار الدين الإسلامي هو الدين الرسمي من أن تنشط الأديان الأخرى دون معوقات أمام تقدم التجربة الماليزية؟ و ربما كان تحليل التجربة الماليزية في الدراسة الحالية في سياق التنمية من ناحية، و في إطار الأهداف التنموية للألفية الثالثة من ناحية أخرى، كاف في التعرف على أسباب نجاح هذه التجربة، و فهم عناصر القوة و المتغيرات التي حكمت مسيرتها في النهضة، والإجابة عن ما أثير من تساؤلات في هذا الصدد.

Share this post


Link to post
Share on other sites
التجربة الماليزية في مجال التنمية البشرية ومقومات نجاحها

الأستاذ الدكتور كتوش عاشور

الأستاذ ڤورين حاج قويدر

المحور الأول – الإطار النظري والتحليلي لمفهوم التنمية البشرية.

المحور الثاني – التجربة الماليزية في مجال التنمية البشرية ومقومات نجاحها.






http://www.kantakji.com/fiqh/Files/Manage/840.pdf

Share this post


Link to post
Share on other sites
نحتاجها بشده ، ويمكن تطبيقها عندنا .

Share this post


Link to post
Share on other sites

Create an account or sign in to comment

You need to be a member in order to leave a comment

Create an account

Sign up for a new account in our community. It's easy!

Register a new account

Sign in

Already have an account? Sign in here.

Sign In Now

×
×
  • Create New...

Important Information

We have placed cookies on your device to help make this website better. You can adjust your cookie settings, otherwise we'll assume you're okay to continue.