Jump to content
أحلى نادي لأحلى أعضاء
Search In
  • More options...
Find results that contain...
Find results in...
Save
نادي جامعة القاهرة للتعليم المفتوح
خالد عبد الله سليمان

بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية الحديثة (1).

Recommended Posts

بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية الحديثة (1).
بقلم/ خالد المرسي
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :
أعترف بأن الموضوع يحتاج إلى توضيح أوسع من ذلك بكثير، ولكن هذا ما تيسر لي ونشرته ليستفيد منه المهتمون بالموضوع وسأفتح قسما في مدونتي أنشر فيه كل ما كُتب عن هذا الموضوع لأنه موضوع أساسي من مواضيع الحضارة ولم يفسد دين المسلمين ودنياهم  إلا من عدم ضبط علماء الدين مفكريهم  هذا الموضوع، فلو يعلم أحدكم مقالات أو أبحاث عنه فأرجو أن يرشدني إليها لأستفيد منها ثم أنشرها في القسم الجديد.
أتوجه بهذا الكلام إلى طائفتين من الناس.
الأولى: من يريدون أن يكون فكرهم وثقافتهم مستقيمة مع دين الإسلام على علم وبصيرة
الثانية: هم طلاب العلم الذي يعدون أنفسهم لمخاطبة الناس كافة بالإسلام ودعوتهم إليه أي: هم من يدعون الناس – سيما المتعلمين تعليما عاليا - بصفة مباشرة، ولا يتوجه كلامي إلى من يعدون أنفسهم لحفظ الدين من غير هذه الجهة كجهة حفظ العلوم الخادمة كعلوم الآلة ( علم العربية ومصطلح الحديث مثلا ) ونحو ذلك ، ولو لم يكن من العلوم الخادمة فالمهم أن هذا الدارس ممن لا يعدون أنفسهم لمخاطبة الناس كافة بل لمخاطبة طائفة معينة محدودة تعد نفسها لحفظ هذا التخصص أو العلم ونقله من جيل إلى جيل؛ مما لا يتطلب من الدارس التصدر لدعوة الناس مباشرة.
ويُستثنى من هذه الطائفة من كانوا يعيشون في مجتمع منعزل عن العالم الخارجي بحكم طبيعته الجغرافية مثلاً ، وإن كان وجود هذه المجتمعات تلاشى بالتدريج منذ ظهور المجتمعات الرأسمالية والمجتمعات الصناعية ثم أخيرا عصر الفضائيات وشبكات الاتصال العالمية، ولذلك لمّا كان وجود المجتمعات البدائية أو المنعزلة جدا عن العالم الخراجي هو الذي يفرق – في زمان سابق -بين علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع؛ صار هذا الفرق الآن غير موجود كما تقول الدكتور حنان حافظ " لقد تغير هذا الموقف الآن جوهريا؛ فمعظم المجتمعات البدائية – إن لم تكن كلها – قد تغيرت، نتيجة تأثير الأفكار والتكنولوجيا الغربية، كما أخذت التجمعات الكبرى تسيطر على المجتمعات القبلية، ونمت الحركات الاجتماعية والسياسية، بحيث دفعت عالم الأنثروبولوجيا إلى الاهتمام بالمشكلات القيمية التي يواجهها عالم الاجتماع، حينا يدرس المجتمع الذي يعيش فيه أو مجتمعات ذات حضارة مماثلة"(1) مما يعني أن هذا القسم المستثنى من هذه الطائفة  لم يعد لو وجود في زماننا.
وبعد أن حددت الطوائف الموجه لها الكلام أقول: إن الدين الإسلامي يحتم على الدعاة أن يتعلموا دينه وأن يتصلوا بالعلوم العصرية ( فهما وإتقانا لا مجرد قراءة سطحية ) في آن واحد، لأن العلوم الإنسانية العصرية تهدف إلى تغيير الفكر وهو كذلك هدف الدين الإسلامي كما يقول الشيخ محمد دراز في هدف الدين الإسلامي ما نصه:"  منزلة علم السنة والبدعة من علوم الدين:
إذا كانت السنة هي الطريقة التي رسمها لنا النبي – صلى الله علسه وسلم – لنسلكها في عقائدنا، وفي أخلاقنا، وفي أقوالنا وأعمالنا، في مصالح دنيانا وآخرتنا، وكانت البدعة هي إحداث طريقة مخالفة لها في نوع من هذه الأنواع مع جعلها دينا بدل ذلك الدين الذي شرعه الله على لسان رسوله كان العلمُ بالسنة والبدعة هو علم الدين جملته، أصوله وفروعه ظاهره وباطنه، وإن كان أكثر الخائضين في السنة والبدعة الآن لا يجاوزون بهما دائرةً ضيقةً من الأعمال الفرعية، الظاهرية، العبادية.
وإذا كانت الرسل إنما بُعثت، والكتب إنما أنزلت لتهدم ما أحدثه الناس في أزمان الفترات من تغيير في عقائدهم أو عبادتهم أو معاملاتهم، ولترد الناس إلى الشريعة الأولى التي شرعها الله لآدم فمن بعده، ولتقيمهم على الهدى المستقيم الذي كانوا عليه قبل الاختلاف{ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا }"يونس:19"؛ كان القائم ببيان حقيقة السنة وتطهيرها من شوائب البدعة في الاعتقاد أو في التخلق أو في العمل، قائمًا بمنصب الوراثة للرسل عليهم الصلاة والسلام قي هداية العالمين "(2) فكان البلاغ المبين الذي أوجبه الله علينا في قوله {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ }"النحل:82"؛ لا يتم إلا بإتقان العلم المضاد لهدفك حتى تتقن غربلة هذه العلوم وبيان الصالح من الطالح والنافع من الفاسد بميزان الإسلام العظيم، وأيضا لنستفيد من الحكمة العظيمة المنثورة في فكرهم التي أثبتها الله لهم في نصوص كثيرة كقوله تعالى { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً } فالإيتاء هنا يشمل نوعا الإيتاء القدري - الخاص بهم - والشرعي - الخاص بمجددي الإسلام - كما يقول الإامم بن القيم فلنتعلم منهم الحكمة القدرية فنحن أولى بها..
والأصل الشرعي الذي يوضح لك ما أقول أوضح بيان وأدقه هو الأصل الشرعي الذي حققه الإمام الشاطبي في كتابه الاعتصام ، وإليك تلخيصه مع إضافات عليه – والتلخيص والإضافات كلاهما من عمل الشيخ محمد دراز حين كان الشيخ يحل إشكالا متعلقا بالتباس أحد أصول الفهم عند أهل السنة بأحد أصول الابتداع عند أهل البدعة، وقد وصف الشيخ هذه القاعدة بأنها نافعة في حل هذا الإشكال وفي حل مواضع كثيرة غيره يقول ما نصه:" قد حقق الشاطبي جواب هذا الإشكال تحقيقًا بليغا، وقرر فيه قاعدة أصولية نافعة هنا وفي مواضع كثيرة، حاصلها أن كل مسألة شرعية لا بد فيها من نظرين: نظر في دليل الحكم وأصل تشريعه، ونظر في تطبيقه وتحقيق مناطه، وبعبارة أخرى أنه لا بد في كل مسألة من مقدمتين إحداهما وهي الصغرى يثبت بها الفعل الذي يتعلق به الحكم، والأخرى وهي الكبرى يثبت بها الحكم المتعلق بذلك الفعل، كما نقول هذا بيع ، والبيع حلال أو هذا ربا، والربا حرام، فأما دليل الحكم وهو مضمون الكبرى فلا يكون إلا من الكتاب والسنة أو ما يرجع إليهما....، وأما مناط الحكم وهو مضمون الصغرى فقد يتكفل الشرع بتحديده بدليل شرعي، وقد يكل تحقيقه إلى المكلف يثبته بدليل عقلي أو عُرفي أو بأي وجه اتفق له..  "(3) وهذه القاعدة يظهر تطبيقها في موضوعنا من حيث أن الله أنزل دينه لتقويم الفكر والعقائد والأخلاق والأعمال كما مر من كلام الشيخ، فعلى القائم بدعوة الناس أن يفهم حكم الإسلام وهديه على ما تبينه نصوصه ( وهي المقدمة الكبرى) وهو ما يُوصف ( بالعلم الشرعي) ويفهم مع ذلك كيفية تطبيق هذا العلم وتحقيق مناطه ( وتلك هي المقدمة الصغرى ) من عقول الناس المعاصرين وكيفية تشكيل النخبة والقادة لها؛ حتي يبين لهم الصراط المستقيم بيانا واضحا جليا ليهتدي من أراد الله هدايته عن بينة ويهلك من هلك عن بينة ، وهذه المقدمة الصغرى ليست هي العلم الشرعي. وعلى رغم ذلك فإنه لا يصح لأحد أن يقول : إن الأولى بجهد الداعية أن يصرفه لتعلم العلم الشرعي ( المقدمة الكبرى) ؛ لأن العلم الشرعي أفضل العلوم، هذا كلام خطأ لأن الدين لم ينزله الله إلا ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ويهديهم الصراط المستقيم، تلك هي الغاية، فما فائدة داعية يبذل عمره كله في دراسة الدين وهو جاهل بتطبيقه وتحقيق مناطه في زمنه؟ أو كان علمه بذلك سطحيا يمنعه عن ابيان الواضح الدقيق؟ بل ما الفرق بينه وبين العالمانيين الذي يفصلون الدين عن المجتمع؟إلا أن العالمانيين يفصلون بينهما عن اعتقاد، بينما هؤلاء الدعاة يفصلون بينهما عن عجز وجهل اكتسبوه بإرادتهم!، فضلاً على أن هذا الداعية سيجد نفسه مضطرا للكلام في شئون الناس الفكرية، وسيسئ في تطبيق العلم الشرعي على واقع الناس لأنه جاهل به أو معرفته به سطحية تحول بينه وبين إدراك متطلبات الناس الفكرية كما تصورها أحوالهم ومعيشتهم وتحول بينه وبين تلبية هذه المتطلبات من الدين العظيم الذي يحتوي على تلبية هذه المتطلبات – على تجددها المستمر في كافة الأزمنة والأمكنة - ، وستكون إساءته حينئذ باسم الدين! مما يجعله يشوه الدين في فهم الناس بدلا من أن يجدده ويحفظه وكذلك يكون هذا الداعية أساء للدين وشوهه من حيث يظن أنه يجدده وينشره ويعتني به غاية العناية! فيفسد من حيث يظن أنه يُصلح!.
ومن وجهة أخرى فنحن نعلم أن نصوص الوحي لم تنص على جزئيات المسائل التي ستقع إلى يوم القيامة ولكنها نصوص مجملة تشتمل على قواعد يُستنبط منها الفقه المتعلق بجزئيات الحوادث غير المتناهية إلى يوم الساعة كما يقول "ابن تيمية" في مقدمة كتاب " الاستقامة":" أمّا الشريعة فإنها كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – " بُعثت بجوامع الكلم"، والكلمة الجامعة هي القضية الكلية والقاعدة العامة التي بُعث بها نبينا – صلى الله عليه وسلم – فمن فهم كلمة الجوامع علم اشتمالها لعامة الفروع وانضباطها بها والله أعلم"، وقال "ابن برهان":" الباري سبحانه وتعالى قادر على التنصيص على حكم الحوادث والوقائع ولم يفعل، ولكن نص على أصول ، وردّ معرفة الحكم في الفروع إلى النظر والاجتهاد"(4) فلو ظل الداعية الذي يوجه خطابه للناس كافة – لا سيما المتعلمين منهم تعليما عاليا – يحدثهم بالدين – الذي هو أصول وقواعد عامة  ( أي: المقدمة الكبرى)، وهو جاهل أو على علم غير جيد بتفاصيل الزمان والأحوال والأوضاع ( أي: المقدمة الصغري موضوع العلوم الحديثة) التي يتأثر بها أولئك الناس لسئم منه الناس لأن العقول السوية لا تقنع إذا سمعت أصولا أو قواعد عامة دون أن تعرف تحديداتها ورسومها في التفاصيل التي تلزمهم، فلن يتأثر به أحد إلا بهياج المشاعرالإيمانية العامة المبهمة – لو تأثر – وبذلك يصير الإسلام تحول مع هؤلاء الدعاة إلى وسيلة لتهييج المشاعر الإيمانية التي تُثار - أصلاً - بمجرد سماع تلاوات القرآن الكريم أو تلاوات الأحاديث النبوية وإن لم يفهمها السامع! – بلا فرق كبير بين الحالين - ؛ بدلا من أن يكون الإسلام دينا يتأثر به الإنسان تأثرا فكريا يستطيع تفعيله في مقاومة الأفكار الهدامة والخاطئة ليحل محلها عن قناعة ورضى واطمئنان ثم يتجاوز ذلك ليستلهم من الإسلام الفكر الإيجابي الذي يترقى به شخصيا وجماعيا طاعةً لله وتعبدًا له، وتلك هي الغاية ذات الحقيقة المزدوجة من تكليف الناس بالإسلام!.
ولا يصح أن يقول هذا الداعية: إنه لا يلزمني دراسة المقدمة الصغرى ويكفيني سؤال أهل العلم بها، لا يصح له قول ذلك لأن الطائفة الموجهة لهم كلامي هي طائفة متخصصة في دعوة الناس كافة، أي: إن المطلوب منها هو الاجتهاد في هذا التخصص وهذا الاجتهاد لا يحصل إلا بالعلم النظري أي العلم الحاصل بالنظر الخاص والمعرفة التراكمية المنظمة كشأن كل العلوم.
ولو تتبعت سيرة علماء الإسلام البارزين في العصر الحديث الذين مارسوا نشاطهم الإصلاحي في بلاد مفتوحة على العالم لرأيت نتاجهم دليلا على أنهم قرأوا هذه العلوم بل ومن واتته الفرصة منهم ليلتحق بالدراسة النظامية الأكاديمية فعل ذلك ولم يكتف بمجرد القراءة ( وإن كانت منهجية منظمة ) كالدكتور محمد دراز وأمثاله ، إذ الشيخ محمد دراز كان زمنه مختلفا عن زمان علماء الصحوة الاسلامية الذين سبقوه من حيث أن الفرصة كانت مواتية للعرب في زمنه أن يدرسوا هذه العلوم الإنسانية دراسة أكاديمية لحداثة عهد جامعات الشرق بهذه العلوم، وكذلك فرصة البعثات الخارجية لم تتاح إلا لفئة قليلة تستطيع الإقامة الطويلة في بلاد الغرب ، وعلى رغم هذه العقبات فقد كان علماء الصحوة السابقين على زمن الشيخ دراز يطلعون على هذه العلوم بحسب جهدهم وبحسب ما يصل إليهم كما يتضح جليا في أثارهم الفكرية وفي عباراتهم أيضا كما قال الشيخ "رشيد رضا" منذ ما يقرب من مئة عام وهو يقرر سياسات الحزب السياسي - الذي تخيل وجوده - التي توصله إلى إقامة الخلافة الإسلامية ما يلي:" تنشأ مدرسة عالية لتخريج المرشحين للْإِمَامَة الْعُظْمَى وللاجتهاد فِي الشَّرْع الَّذين ينتخب مِنْهُم رجال ديوَان الْخلَافَة الْخَاص وَأهل الْقَضَاء والإفتاء وواضعو القوانين الْعَامَّة، ونظم الدعْوَة إِلَى الْإِسْلَام والدفاع عَنهُ، وَإِزَالَة الْبدع والخرافات اللاصقة بأَهْله. وَمِمَّا يدرس فِي هَذِه الْمدرسَة أصُول القوانين الدولية وَعلم الْملَل والنحل، وخلاصة تَارِيخ الْأُمَم، وَسنَن الِاجْتِمَاع، ونظم الهيئات الدِّينِيَّة كالفاتيكان والبطاركة والأساقفة وجمعياتهم الدِّينِيَّة وأعمالها،" الخلافة الإسلامية ص:68..
المدخل إلى علم الاجتماع ص:31.
الميزان بين السنة والبدعة ص:51.
المصدر السابق ص:108.
نقله عن الإمام " السيوطي" في كتاب " الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض" ص:170.

Share this post


Link to post
Share on other sites
كلما ازددت علما وخبرة ازداد يقيني في صحة العلاقة بين علم الإسلام والعلوم الاجتماعية والسياسية الحديثة – كما أفهمها – بتواتر الأدلة من نصوص الوحيين ومن كلام الأئمة المجددين، فالعلاقة بينهما ليست كالعلاقة بين علم الإسلام وبين علوم الطبيعية كعلم الطب والهندسة والفلك ونحوها! كما يظن بعض الحفاظ المنسوبين إلى العلم، والخلل في فهم هذه العلاقة يُعتبر أعظم البدع في هذا العصر الحديث التي خسفت بكل الأديان لا أقول دين الإسلام فقط بل خسفت بكل الأديان وأضاعت دين المسلمين وضاعت معه دنياهم، وهذا كلام للعلامة محمد رشيد رضا – رحمه الله - في خصوص هذا الموضوع – وما أكثر كلماته وكلمات أمثاله فيه –
يقول الشيخ في تفسير المنار المجلد السابع الصفحة رقم 499 :" وَلَوْ أَنَّ عُلَمَاءَ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ كَتَبُوا فِي التَّفْسِيرِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ لَبَيَّنُوا لَنَا ذَلِكَ – يشير الشيخ إلى المباحث التي يطرقها علماء الاجتماع والسياسة المعاصرون - .
وَلَمْ يُقَصِّرِ الْمُصَنِّفُونَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا قَصَّرُوا فِي بَيَانِ مَا هَدَى إِلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ مِنْ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي الْأُمَمِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ النُّصُوصِ فِي ذَلِكَ وَالْحَثِّ عَلَى الِاعْتِبَارِ بِهَا، وَلَوْ عَنُوا بِذَلِكَ بَعْضَ عِنَايَتِهِمْ
بِفُرُوعِ الْأَحْكَامِ وَقَوَاعِدِ الْكَلَامِ لَأَفَادُوا الْأُمَّةَ مَا يُحْفَظُ بِهِ دِينُهَا وَدُنْيَاهَا، وَهُوَ مَا لَا يُغْنِي عَنْهُ التَّوَسُّعُ فِي دَقَائِقِ مَسَائِلِ النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَالسِّلْمِ وَالْإِجَارَةِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِسُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي عِبَادِهِ، لَا يَعْلُوهُ إِلَّا الْعِلْمُ بِاللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، بَلْ هُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ طُرُقِهِ وَوَسَائِلِهِ. وَقَدْ فَطِنَ لِهَذَا بَعْضُ حُكَمَاءِ الْعُلَمَاءِ، فَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي بَيَانِ الْقَدْرِ الْمَحْمُودِ مِنَ الْعُلُومِ الْمَحْمُودَةِ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ فِي الْإِحْيَاءِ: وَأَمَّا الْقِسْمُ الْمَحْمُودُ إِلَى أَقْصَى غَايَاتِ الِاسْتِقْصَاءِ فَهُوَ الْعِلْمُ بِاللهِ تَعَالَى وَبِصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَسُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ وَحِكْمَتِهِ فِي تَرْتِيبِ الْآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا، فَإِنَّ هَذَا عِلْمٌ مَطْلُوبٌ لِذَاتِهِ. ثُمَّ فَضَّلَ أَهْلَ هَذَا الْعِلْمِ عَلَى جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ كَالْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَأَيَّدَهُ فِي ذَلِكَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إِذِ اسْتُفْتِيَ فِيهِ فَأَفْتَى بِصِحَّتِهِ. وَبَيَّنَ الْغَزَالِيُّ فِي غَيْرِ هَذَا الْفَصْلِ مِنْ فُصُولِ الْبَابِ الثَّانِي مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ هُوَ الَّذِي امْتَازَ بِهِ عُظَمَاءُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، وَأَنَّهُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي عَنَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ لَمَّا مَاتَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ: مَاتَ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعِلْمِ (وَرَوَاهُ أَبُو خَيْثَمَةَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ بِلَفْظِ: إِنِّي لَأَحْسَبُ عُمْرَ قَدْ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ) .
لَأَحْسَبُ عُمْرَ قَدْ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ) .
أَقُولُ: أَمَّا الْعِلْمُ بِاللهِ تَعَالَى وَبِصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ فَهُوَ مِعْرَاجُ الْكَمَالِ الْإِنْسَانِيِّ، وَأَمَّا الْعِلْمُ بِسُنَّتِهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ فَهُوَ وَسِيلَةٌ وَمَقْصِدٌ، أَعْنِي أَنَّهُ أَعْظَمُ الْوَسَائِلِ لِكَمَالِ الْعِلْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمِنْ أَقْرَبِ الطُّرُقِ إِلَيْهِ، وَأَقْوَى الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَعْظَمُ الْعُلُومِ الَّتِي يَرْتَقِي بِهَا الْبَشَرُ فِي الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الْمَدَنِيَّةِ فَيَكُونُونَ بِهَا أَعِزَّاءَ أَقْوِيَاءَ سُعَدَاءَ، وَإِنَّمَا يُرْجَى بُلُوغُ كَمَالِ الِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ إِذَا نُظِرَ فِيهِ إِلَى الْوَجْهِ الرَّبَّانِيِّ وَالْوَجْهِ الْإِنْسَانِيِّ جَمِيعًا، وَهُوَ مَا كَانَ عُمَرُ يَنْظُرُ فِيهِ بِنُورِ اللهِ فِي فِطْرَتِهِ وَهِدَايَةِ كِتَابِهِ، وَأَمَّا أَبُو حَامِدٍ فَقَدْ لَاحَظَ الْوَجْهَ الرَّبَّانِيَّ فَقَطْ، وَإِنَّ فِي سِيَاسَةِ عُمَرَ وَفِي كَلَامِهِ لِدَلَائِلَ كَثِيرَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ بَصِيرَتِهِ فِي هَذَا الْعِلْمِ، فَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ وَسِيلَةً لَنَا لِتَكْمِيلِ أَنْفُسِنَا، وَإِصْلَاحِ مَا فَسَدَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِنَا، آمِينَ. "

Share this post


Link to post
Share on other sites

Create an account or sign in to comment

You need to be a member in order to leave a comment

Create an account

Sign up for a new account in our community. It's easy!

Register a new account

Sign in

Already have an account? Sign in here.

Sign In Now

×
×
  • Create New...

Important Information

We have placed cookies on your device to help make this website better. You can adjust your cookie settings, otherwise we'll assume you're okay to continue.